فهرس الكتاب

الصفحة 1493 من 1664

ولقد كان علماؤنا الأجلاَّء يحرِّمون استفتاء المفتي المتساهل ، كما ذكر الإمام ابن مفلح قائلًا: ( يحرم تساهل المفتي ، وتقليد معروف به) [التقرير3/351 بواسطة: زجر الفقهاء عن تتبع رخص الفقهاء/66] وكان الإمام أيوب السختياني ـ رحمه الله ـ يقول: (يخادعون الله كأنَّما يخادعون الصبيان) [أعلام الموقِّعين4/176ـ177] ولهذا شكا بعضهم إلى الفقيه ابن حجر الهيتمي أحدَ قضاة المسلمين ؛ لأنَّه يشدِّد على الناس فلا يحكم إلاَّ بالقول الصحيح ، ولا يسلك بهم مسلك التخفيف والترخيص فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله: (ما ذكر عن هذا القاضي إنَّما يُعَدُّ من محاسنه لا من مساوئه ، فجزاه الله تعالى عن دينه وأمانته خيرًا ، فإنَّه عديم النظر إلى الآن ـ ثمَّ قال: ـ فقيام هذا القاضي حينئذٍ بقوانين مذهبه ، وعدم التفاته إلى الترخيص للناس بما لا تقتضيه قواعد إمامه يدلُّ على صلاحه ونجاحه وفلاحه) [الفتاوى الكبرى الفقهية 4/324 بواسطة زجر الفقهاء عن تتبع رخص الفقهاء لجاسم الدوسري/22 ، وكتاب تحذير الفضلاء للمقطري/35ـ36]

ولهذا فإن المنتسبين لأصحاب مدرسة (فقه التيسيرـ أي التساهل والتمييع لقضايا الشريعة ـ) المدَّعين أنَّهم أولو الوسطيَّة والاعتدال ، فإنَّك واجد في كتاباتهم ودروسهم وفتاويهم عجائب من الأقاويل ، التي يرون أنَّهم بها قد وافقوا بين الأصالة الفقهية ، والمعاصرة الزمانيَّة،ومن ذلك ما قاله الشيخ مصطفى المراغي لأعضاء لجنة وضع لائحة الأصول للأحوال الشخصيَّة ـ وكان رئيسها ـ: (ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنَّه موافق الزمان والمكان ، وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلاميَّة يطابق ما وضعتم) [تراجم الأعلام المعاصرين لأنور الجندي/ص428] .

آه من دهر خؤون أهله *** لا يرون العلم للدين شعارا

طلبوا علمًا بماضي غيرهم *** حالهم أحسن إذ كانوا صغارا

فإذا ما الشيب في أذقانهم *** ملؤوا الآفاق ظلمًا وبوارا

وقد كان أهل العلم يحذِّرون أشدَّ التحذير من الأخذ برخص العلماء وزلاَّتهم ، وأن تُجعل دينًا يدين العبد بها ربَّه ، فإنَّ ذلك علامة على ضعف الإيمان ، وقلَّة الديانة ، قال الأوزاعي: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام) [السير(/125]

4ـ أن يكون له باع طويل في تلقِّي العلم والاجتهاد في تحصيله:

إنَّ ضرورة التأصيل العلمي ، وقوَّة التمكن الشرعي ، له أثره البالغ ـ ولا شكَّ ـ في أهليَّة العالم أو المعلِّم وقت تعليمه وكتابته وإفتائه ، ذلك أنَّه يعطي المتعلِّم أو المستفتي اطمئنانًا لمن يسأله،والقارئ ارتياحًا لما يكتبه الداعية المعلِّم، وقد كان أهل العلم الربَّانيين السابقين منهم واللاحقين يطلبون العلم ، ويجتهدون في نيل مرامه ، من المهد إلى اللحد، كما قال الإمام أحمد ، فكانوا لا يفارقون كواغد العلم ، ولا أوراق الشريعة ، فهي معهم في حلِّهم وترحالهم ، بل لا يتركون معلِّميهم وأساتذتهم في طلب العلم عليهم بثني الركب عندهم، ولك أن تعلم أنَّ إمامًا كابن الجوزي طلب علم القراءات وقد كان باقعة في العلم ، علاَّمة في الإدراك والفهم ، مشهورًا بين الأنام ، ومع ذلك يطلب هذا العلم مع ابنه الصغير وهو في سنِّ السبعين ، ولم يكن كبر عمره ، وشرف رسوخه في العلم ، حائلًا بينه وبين طلب العلم ، وملازمة أخذه وإدراكه ، والعيش معه ليل نهار ، حفظًا واطِّلاعًا وبحثًا ومذاكرة وفهمًا وتعليمًا وإفتاءً ، وقد قال علماؤنا بأنَّه: من لم يتقن الأصول حرم الوصول.

إلاَّ أنَّ القضيَّة ـ وللأسف ـ اختلفت وخاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه المستعجلون للتدريس ، والمتزبِّبون قبل أن يتحصرموا ، والمدَّعون للعلم والعلم بريء منهم(فعلى هذا لا يكتفى بمجرَّد انتسابه إلى العلم ، ولو بمنصب تدريس أو غيره ، لا سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الجهل ، وقلَّ فيه طلب العلم ، وتصدَّى فيه جهلة الطَّلبة للقضاء والفتيا ، فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب ، ولا يعلم صورة المسألة ، بل لو طولب بإحضار تلك المسألة وهي في الكتاب لم يهتد إلى موضعها ؛ فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون:

لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها *** كلاها وحتَّى سامها كل مفلس)

[ما بين القوسين من رسالة في الاجتهاد والتقليد ـ للشيخ: حمد بن ناصر بن معمَّر/48ـ49]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت