فهرس الكتاب
هذا وقد كنت تتبعت قديما مصطلح دار الكفر ودار الإسلام وجمعت أقوال كثير من العلماء وتعريفهم للدار ، ونظرت في أثر هذا الاصطلاح عندهم على قاطنيها ، فلم أجد عند أحد من العلماء المحققين شيئا من هذا الذي رامه هؤلاء ..خصوصا في دار الكفر الطارئة التي كان جمهور أهلها مسلمين ..
نعم وجدت شيئا شبيها بمقالاتهم .. عند بعض طوائف الخوارج الضلال ..
فالأزارقة أصحاب (نافع بن الأزرق) قالوا: ( إن من أقام في دار الكفر فهو كافر ، لا يسعه إلا الخروج ) ، ومعلوم أنهم يرون أن دار مخالفيهم من المسلمين دار كفر .
والبيهسية والعوفية قالوا: ( إذا كفر الإمام كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد ) وهذا كله من سخفهم وجهلهم ، وسنأتي على ذكره في الفصل الرابع من هذا الكتاب ..
أما العلماء المحققين ، فقد تدبرت أقوال كثير منهم ، فلم أجد عندهم شيئا من هذه الإطلاقات ؛ ولا يعكر على إطلاقي هذا ما ورد في أحكام القرآن للجصاص وغيره ، مما قد يظنه المتعجل شبيها بذلك ، فليس هو من هذا الباب ، وذلك لكونه ورد في أرض العدو التي يعنون بها دار الحرب أو الكفر الأصلية ، وفي ظل وجود دار إسلام وجماعة المسلمين الذين يقدر المسلم على التحول إليهم ثم هو يفرط في ذلك ويبقى مكثرا لسواد أهل الشرك .
أما إطلاق تلك القاعدة وذلك الاصطلاح وإعماله مطلقا في قاطني الدار التي طرأ عليها الكفر مع أن جمهور أهلها من المنتسبين للإسلام ، دون اعتبار لاستضعاف المسلمين وعدم وجود دار إسلام يهاجر ويأوي إليها المسلم ، ودون أن يتواطأ المسلم أو يعين على كفر ، فهذا ما لم أجده بحال ، وأعجبني في خاتمة المطاف قول الشوكاني في السيل الجرار: ( اعلم أن التعرض لذكر دار الإسلام ودار الكفر قليل الفائدة جدا ، لما قدمنا لك في الكلام على دار الحرب ، وأن الكافر الحربي مباح الدم والمال على كل حال ما لم يؤمّن من المسلمين ، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الأسلام في دار الحرب وغيرها ) أهـ. (4/576) .
فهذا الذي يهمنا من ذلك ، وهو موافق لخلاصة كلام شيخ الإسلام في أهل ماردين وغيرهم ..
والعلماء جميعهم على ذلك .. فأنت تخرج من تتبع تعريفاتهم لدار الكفر ودار الإسلام ، بأن هذه المسميات اصطلاح فقهي لا أثر له في الحكم على من أمكن معرفة دينه من قاطني الديار ، وأن من أظهر الإسلام ولم يأت بناقض من نواقضه الظاهرة معصوم الدم والمال حيث كان ..
وتعريفاتهم وإن تفاوتت بعض التفاوت ، فجمهورهم على أن هذا المصطلح يطلق تبعا للأحكام والغلبة التي تعلو الدار، فإن كانت تعلو الدار أحكام الكفر أو أن الغلبة فيها للكفار فقد اصطلحوا على تسميتها دار كفر، وإن كان أكثر أهلها من المسلمين .. وإن كانت الغلبة فيها والأحكام للمسلمين فهي دار إسلام وإن كان أكثر قاطنيها من الكفار، كما يكون الحال في البلاد التي يسكنها أهل الذمة ويحكمها المسلمون ..
قال ابن حزم (456هـ) : (وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين"إنما عنى بذلك دار الحرب ، وإلا فقد استعمل عليه السلام عماله على خيبر وهم كلهم يهود ، وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يمازجهم غيرهم فلا يسمى الساكن فيهم لإمارة عليهم أو لتجارة بينهم كافرا ولا مسيئا بل هو مسلم محسن ، ودارهم دار إسلام لا دار شرك ، لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها ) أهـ المحلى (11/200) .
وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي (458هـ) : ( كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر ) أهـ. المعتمد في أصول الدين ص (276) .
وقال ابن القيم (751هـ) : ( ما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها ، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة ) أهـ أحكام أهل الذمة (1/366) .
وقال الشوكاني (1250هـ) في السيل الجرار (4/575) : (الاعتبار بظهور الكلمة فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام ؛ فهذه الدار دار إسلام ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها لأنها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم ، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية ، وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس ) أهـ.
وقال سليمان بن سحيمان (1349هـ) شعرًا:-
إذا ما تغلب كافر متغلب على ... ... دار إسلام وحل بها الوجل
وأجرى بها أحكام كفر علانيا ... ... وأظهرها فيها جهارًا بلا مهل
وأوهى بها أحكام شرع محمد ... ... ولم يظهر الإسلام فيها وينتحل
فذي دار كفر عند كل محقق ... ... كما قال أهل الدراية بالنحل
وما كل من فيها يقال بكفره ... ... فرب امرئ فيها على صالح العمل