فهرس الكتاب

الصفحة 1505 من 1664

وقال أيضا فيما يرويه البخاري ومسلم: ( لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) .

وقال صلى الله عليه وسلم: ( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) رواه البخاري من حديث ابن عمر

وفيه: وقال ابن عمر: ( إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله )

وفي البخاري أيضا سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك ، قال: يا أبا حمزة ، ما يحرم دم العبد وماله ؟

فقال: ( من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم )

وتقدم ما ذكره القاضي عياض في الشفا (2/277) عن العلماء المحققين قولهم: ( إن استباحة دماء المصلين الموحدين ، خطر ، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد ) أهـ .

ونقل عن القابسي قوله: ( ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح ، وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء .. ) أهـ . (2/262) .

ولو انشغل هؤلاء في طلب العلم الشرعي وتقليب كتب العلماء ومطالعة الأصول والفروع ، لعرفوا أن دون إباحة الدم والمال وإن صدر القول أو الفعل المكفر ؛ مراحل وشروط وموانع قد تمنع من التكفير فضلا عن الإباحة .. خصوصا في أمثال من تسلطوا عليهم من المستضعفين أو الدعاة والمؤمنين غير الممتنعين بشوكة الطواغيت أو أنظمتهم وقوانينهم .. وأنه لا يلزم من الحكم على الفعل أو القول بالكفر ، تكفير المعين - كما تقدم - ومن ثم فلا تترتب على الحكم آثاره التي يهوونها ويشتهونها ويبتغونها ..

أضف إلى هذا أن جمهور العلماء ، بل ذكر ابن المنذر إجماعهم ؛ على أن مُلك المرتد لا يزول بمجرد ردته (1) إذا كانت ردته غير مغلظة ولا كان ممتنعا ، فإنه يستتاب والحالة كذلك ، وقد يرجع إلى الإسلام .

وكل من تأمل فتوى شيخ الإسلام التي اجتزؤوا منها حجتهم ، وجدها من أولها إلى آخرها حجة عليهم ، فقد سئل رحمه الله عن بلدة ماردين التي احتلها التتار وتغلبوا عليها وفيها أناس مسلمون …. فأجاب رحمه الله: ( الحمد لله دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها … والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه ، وإلا استحبت ولم تجب … ) إلى قوله: ( ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق ، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم(2) وأما كونها دار حرب أو سلم ، فهي مركبة: فيها المعنيان ، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين ، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار ، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيه بما يستحقه ، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه ) أهـ . مختصرا من مجموع الفتاوى (28/135) .

فهو يقرر:

-أن دماء المسلمين وأموالهم ، الأصل الأصيل فيها ؛ هو الحرمة والعصمة حيث كانوا ، ولا دخل للدار أو البلدة في ذلك ، بل مناط تلك العصمة إظهار المرء للإسلام ، لا إظهار الدار للإسلام .

-وأنه لا يحل رمي المسلمين بشيء من صفات النفاق ونحوها ، لمجرد كون الدار قد صارت تحت غلبة الكفار ، دون أن يحدث أولئك المسلمون أمرا .

-وأن الدار التي سئل عنها وأمثالها ، وإن كان ينطبق عليها وصف الفقهاء لدار الكفر لغلبة الكفار عليها ، إلا أنها بالنسبة للحكم على أهلها مركبة .

فليست هي كدار الإسلام الأصلية التي يتميز فيها أهل الكتاب بالغيار ( أي اللباس الذي يميزهم ) ولا يقر المرتد فيها بحال .. فالأصل في كل من عدا أهل الكتاب من ساكنيها ، أنه من المسلمين ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلم المرء في مثلها على من يعرف ومن لا يعرف (3) .. ولذلك نص الفقهاء واستدلوا كثيرا في فروع الفقه بمقولة: ( الأصل في دار الإسلام الإسلام ) ..

ولا هي أيضا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار ولم تكن يوما دار إسلام ولا كان جمهور أهلها مسلمين .. فهي إذن ليست دار كفر أصلية ، بل قد كانت قبل تغلب الكفار عليها دار إسلام وجمهور أهلها من المسلمين .. ولذلك لم ينط الحكم على أهلها ومعاملتهم تبعا لشيء من تلك الاصطلاحات لعدم انضباطها ، بل من أظهر الإسلام عصم ماله ودمه وعومل معاملة المسلمين ، ومن خرج عن شريعة الإسلام عومل بما يستحقه .. فكلامه رحمه الله واضح لا لبس فيه ..

ولكن الأمر كما ذكر رحمه الله في موضع غير هذا .. أن اجتماع الشهوة مع الشبهة يقوي الدافع إلى الشبهة ويورث فساد العلم والفهم ..

والقوم وجدوا في ذلك الفهم السقيم ، ما يثبت شبهاتهم ويسوغ شهواتهم ( الغنائمية) فتمسكوا بقوله ( ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار ) ؛ فجعلوا الكفر هو الأصل في أهل كل دار تدخل تحت اصطلاح دار الكفر ولو كان وصف الكفر فيها طارئا لغلبة الكفار على أحكامها .. فكفروا أهلها كلهم ولو كان جمهورهم من المنتسبين للإسلام .. وتمسكوا بذلك وأصروا عليه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت