فهرس الكتاب
وعندهم؛ الدخول في الإسلام لا يكون بقول لا إله إلا الله فقط، ويردّون على قصة أسامة رضي الله عنه لمّا قتل الرجل، بأن ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم له ما كان لأن أسامة قتل مسلمًا بعد أن قال كلمة التوحيد، ولو كان الأمر كذلك لأقيم على أسامة الحد، ولمّا لم يحدث ذلك، فهمنا أن الرجل المقتول لم يدخل في الإسلام بنطقه كلمة التوحيد، وأن الذمّ لأسامة كان على شيء آخر، وهو التسرّع في القتل - مثلًا - هكذا يقولون.
وأيضًا يقولون؛ إن اليهود كانوا يقولون لا إله إلا الله فلم تنفعهم ولم يدخلوا بها الإسلام، حتى يخرجوا من كفرهم الذي وقعوا فيه.
فهم إذن يركّزوا على طرح سؤال: كيف يدخل الشخص في الإسلام؟
ويقولون إن شيخهم هو"ضياء الدين القدسي"، وينشرون له بعض الكتب، والتي رأيت منها كتاب يُسمّى"الكفر بالطاغوت ركن التوحيد"، ووضع على غلافه اسمه المذكور، والعجيب أنني لمّا بدأت بالاطلاع عليه وجدته هو نفس كتابك المسمّى بـ"الطاغوت"، مع تغيير طفيف بتقديم وتأخير بعض العبارات!
والسؤال هو؛ من هم هؤلاء؟ ومن شيخهم المذكور؟ وكيف نثبت أن الكتاب ليس له؟ وكيف يكون الرد على أقوالهم السابقة الذكر، مع ذكر الدليل بالتفصيل، وبارك الله فيكم وجعله في ميزان حسناتكم.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين.
الكفر بالطاغوت حق، وهو شرط لصحة الإيمان، فهذا أمر مسلَّم به، لا يُجادل فيه موحد.
ولكن المشكلة تكمن عندما يوضع هذا الأمر في غير موضعه، ويُحمل على من لا يجوز أن يُحمل عليه، أو يُحمَّل من المعاني السقيمة المخالفة للشريعة وقواعدها، فيحصل حينئذٍ الإفراط أو التفريط!
والقول بأن المسلمين في مجتمعاتهم اليوم الأصل فيهم الكفر، ومن لا يكفرهم أو يقول بهذا القول فهو كافر؛ لا يقول به عالم، بل ولا مسلم عاقل يعز عليه دينه، وهو من جملة أقوال ومعتقدات خوارج وغلاة هذا العصر.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذاك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله) [البخاري] .
وقد أجمع أهل العلم؛ على أن المرء يدخل الإسلام ويُحكم له بالإسلام إذا نطق بشهادة التوحيد، أو رؤي يصلي صلوات عدة، وإن لم يُعرف عنه الإقرار باللسان.
قال القرطبي في كتابه"الجامع" [8/207] : (الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال، إلا في الصلاة، قال إسحاق بن راهويه: ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع، لأنهم أجمعهم قالوا: من عُرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى يصلي صلوات كثيرة ولم يعلموا منه إقرارًا باللسان، أنه يُحكم له بالإيمان) اهـ.
ومشكلة هؤلاء الغلاة الجهلة - الذين ورد السؤال عنهم - أنهم لا يميزون بين القدر الذي يدخل المرء به الإسلام، وبين القدر الذي به يستمر له حكم الإسلام، وبين القدر الذي يرفع عنه السيف في أجواء القتال!
فالقدر الذي يُدخل المرء الإسلام؛ هو شهادة التوحيد، وكذلك إقامة الصلاة - كما تقدم -
والقدر الذي به يستمر له حكم الإسلام؛ أن يُحافظ على إقامة الصلاة، وأن لا يُعرف عنه أنه قد أتى ناقضًا من نواقض الإيمان والتوحيد.
والقدر الذي يرفع عنه السيف في أجواء القتال؛ أن يقول أي عبارة تدل على أنه يريد الدخول في الإسلام؛ كأن يقول:"صبأت"، أو"السلام عليكم"، أو"أنا منكم"، ونحو ذلك من العبارات، فهذه العبارات لا تُدخل صاحبها في الإسلام، لكنها ترفع عنه السيف في أجواء القتال إلى أن يُعلَّم الكلمات الصحيحة التي تُدخله الإسلام.
لذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر على خالد بن الوليد رضي الله عنه أشد الإنكار لما قتل أولئك النفر الذين قالوا له:"صبأنا، صبأنا"، وكانوا يريدون أن يقولوا أسلمنا، إلا أنهم لم يُحسنوا التعبير فقالوا صبأنا، فلم يقبل منهم خالد رضي الله عنه فقتلهم، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ من فعله، وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) - مرتين - وأمر بدفع دية القتلى.
وكذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] ، فأمر الله تعالى بالتثبت والتبين ممن يلقي السلام على المسلمين المجاهدين في أجواء القتال، ويدع قتالهم، وأن لا يستعجلوا قتله، لاحتمال أن يكون مؤمنًا أو أنه يريد الدخول في الإسلام، فأخطأ التعبير فابتدأ بالسلام بدلًا من شهادة التوحيد.
كذلك ليس من الإسلام في شيء؛ أن لا تقبل إسلام العباد إلا بعد أن تختبر اعتقادهم، وتحملهم على أقوال واعتقادات معينة، فهذا ليس من دين الله في شيء ولم يقل به عالم معتبر، وهو من قول أهل البدع والزيغ والضلال.