فهرس الكتاب

الصفحة 1520 من 1664

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: (ليس من شروط الإتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه؛ فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال، وقول القائل لا أصلي خلف من لا أعرفه، كما لا أسلم مالي إلا لمن أعرفه؛ كلام جاهل لم يقله أحد من أئمة الإسلام) .

وقال: (وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعة ولا جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن، فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم) اهـ.

فإذا كانت الصلاة تصح خلف مستور الحال، ولا يُشترط للصلاة خلفه معرفة اعتقاده أو اختباره وامتحانه، فمن باب أولى؛ أن تحكم بإسلامه، وإسلام غيره ممن يُظهرون الإسلام وتجهل اعتقاداتهم، ومن دون أن تختبرهم أو تحملهم على أقوال أو اعتقادات معينة.

والأدلة التي استدلوا بها - الواردة في السؤال - ليس منها شيء يُخالف ما تقدم ذكره.

وإليك بيان وتفصيل ذلك:

قولهم: (ويحتجوّن على ذلك بأن الأنبياء عليهم السلام جاءوا إلى أقوامهم ودعوهم إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فمن أجاب حكم له بالإسلام، ومن امتنع بقي على كفره...) .

أقول: تلك الأقوام التي بُعثت إليها الأنبياء بدعوة التوحيد، هل كانوا - قبل أن يستجيبوا أو يستجيب بعضهم لدعوة التوحيد - ممن يشهدون أن لا إله إلا الله ويُقيمون الصلاة، أم أنهم كانوا من عبدة الأوثان والطواغيت، وممن يجحدون شهادة التوحيد، ولم يعرفوا طعم الإيمان؟

الجواب لا بد أن يكون؛ أنهم كانوا من عبدة الأوثان والطواغيت، وممن يجحدون شهادة التوحيد، ولم يعرفوا الصلاة لله عز وجل ولا طعم الإيمان!

وإن كان الجواب كذلك، أقول: كيف يُحمل حال وواقع من كان من عبدة الأوثان والطواغيت، وممن يجحدون شهادة التوحيد، ولم يعرفوا الصلاة لله عز وجل ولا طعم الإيمان قط، على من أقر بالتوحيد، وأقام الصلاة، ولم يُعرف عنه ما يُنقض توحيده وإيمانه، كما هو حال المسلمين في مجتمعاتهم في هذا الزمان؟!

لذا فالاستدلال في واد، والمسألة المستدل عليها في وادٍ آخر ومختلف!

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (ما أعرفُ منكم شيئًا كنت أعهدهُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليس قولكم لا إله إلا الله!) ، قلنا: بلى يا أبا حمزة؛ الصلاة؟ فقال: (قد صليتم حين تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!) .

وعن الحسن البصري قال: (لو أنَّ رجلًا أدرك السلف الأول، ثم بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا إلا هذه الصلاة) !

وعن ميمون بن مهران قال: (لو أنَّ رجلًا أُنشر فيكم من السلف، ما عرف فيكم غير هذه القبلة) !

وعن أم الدرداء قالت: (دخل عليَّ أبو الدرداء رضي الله عنه وهو غضبان، فقلت له: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمرِ محمدٍ شيئًا إلا أنهم يُصلون جميعًا) !

وعن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حبان بن أبي جبلة، عن أبي الدرداء قال: (لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم اليوم، ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابُه إلا الصلاة) ! قال الأوزاعي: (فكيف لو كان اليوم؟!) ، قال عيسى: (فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟!) .

قلت: رغم هذا الواقع المرير الذي ينقله الصحابة والتابعون لهم بإحسان عن مجتمعاتهم التي كانوا يعيشون فيها، وعن غربة الدين في تلك المجتمعات، إلا أنهم لم يكونوا يصفون تلك المجتمعات بالكفر، وأن من فيها كفار مرتدون لا بد من أن يُدعوا من جديد إلى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وأن من لا يقول بهذا القول أو يعتقد به؛ فهو كافر مرتد، فهذا لم يفعله الصحابة ولا التابعون، وحاشاهم أن يفعلوا ذلك!

قولهم: (وكذلك في عهد مسيلمة الكذاب من كان تحت حكمه فهو في دار الكفر وكل شخص هناك حكمه الكفر حتى يُظهر إسلامه بكفره بالطاغوت مسيلمة والإيمان بالله، ويستدلون بقصة خالد بن الوليد رضي الله عنه مع مُجاعة في ذلك الوقت،حيث لم يعترف خالد بإسلامه لمّا أمسكه لأنه لم ينكر على الطاغوت...) .

أقول: كل من كان تحت حكم مسيلمة الكذاب وسلطانه، وتابعه على كفره وكذبه وتكذيبه فهو كافر مرتد، وليس كل من كان تحت حكمه وفي سلطانه كذلك، إذ كان فيهم المكره والمستضعف، والمعتزل لمسيلمة وكفره المظهر لدينه وتوحيده، وهؤلاء لهم حكم آخر.

وخالد أنكر على مجاعة لكونه؛ كان من أعز أهل اليمامة، ولم يبد عذرًا، ولم يرسل له رسولًا يخبره إن كان خائفًا من قومه ومن مسيلمة أم لا، مما دل أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كان يقيل عثرة من كان هذا وصفه، ومع ذلك فخالد رضي الله عنه لم يحكم بردة مجاعة وعفا عنه، وقال له: (قد عفوت عن دمك، ولكن في نفسي حرج من تركك) ، لما رأى من صدق لهجته!

فإن عُلم ذلك، هل المسلمون في زماننا ممن يشهدون شهادة التوحيد ويقيمون الصلاة، ولم يُعرف عنه ما يُخرجهم من الملة، هم كمن آمن بمسيلمة الكذاب وبنبوته، وكذب محمدًا صلى الله عليه وسلم؟!

فإن كان الجواب: لا - وهو كذلك - عُلم أن الاستدلال في واد وأن المسألة المستدل عليها في وادٍ آخر ومختلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت