فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 1664

مُنْتَشِرًا فِي الْبُلْدَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي فِيهِ الْمَعَاصِي ظَاهِرَةٌ إلَى ( مَا فِيهِ دُونَهُ ) مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ مَا فِيهِ الْمُنْكَرُ إلَى مَا فِيهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ نَحْوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَظْهَرُ فِيهِ الزِّنَى وَالظُّلْمُ وَلَا يُنْكَرُ وَفِي غَيْرِهِ يَظْهَرُ الظُّلْمُ دُونَ الزِّنَى فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ إحْدَى الْمَعْصِيَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى ; لِأَنَّ فِي الشَّرِّ خِيَارًا .

وَاعْلَمْ أَنَّهَا تَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ الْمُهَاجَرَةُ ( بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ) وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْمَمَالِيكِ وَلَا يَكْفِيه أَنْ يَنْتَقِلَ بِنَفْسِهِ وَيَتْرُكَهُمْ بِدَارِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ ( إلَّا ) أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ فِي أَيِّهِمَا ( لِمَصْلَحَةٍ ) يَرَاهَا يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ كَإِرْشَادِ ضَالٍّ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ إنْقَاذِهِ مِنْ بَاطِلٍ أَوْ يَكُونُ مُعَلِّمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا لَا يَحْصُلُ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِوُقُوفِهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ يَكُونُ وُقُوفُهُ دَاعِيًا لِغَيْرِهِ إلَى نُصْرَةِ الْإِمَامِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ أَوْ نَحْوِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ الْمُقْتَضَيَاتِ لِأَرْجَحِيَّةِ الْوُقُوفِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ مَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ .

( أَوْ ) كَانَ تَرْكُ الْهِجْرَةِ مِنْ أَجْلِ ( عُذْرٍ ) نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ خَوْفِ سَبِيلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا . ( وَيَتَضَيَّقُ ) وُجُوبُ الْهِجْرَةِ ( بِأَمْرِ الْإِمَامِ ) فَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْهِجْرَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُورِينَ الْإِقَامَةُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ مَصْلَحَةٌ عِنْدَهُمْ فِي وُقُوفِهِمْ إلَّا بِإِذْنِهِ ; لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ فَنَظَرُهُ أَوْلَى مِنْ نَظَرِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ لِلْمَصْلَحَةِ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ إلَّا لِعُذْرٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ كَمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ جَازَ الْوُقُوفُ .

وقال الرملي في فتاويه (1) :

( بَابُ الْأَمَانِ ) . ( سُئِلَ ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ السَّاكِنِينَ فِي وَطَنٍ مِنْ الْأَوْطَانِ الْأَنْدَلُسِيَّةِ يُسَمَّى أرغون وَهُمْ تَحْتَ ذِمَّةِ السُّلْطَانِ النَّصْرَانِيِّ يَأْخُذُ مِنْهُمْ خَرَاجَ الْأَرْضِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُونَهُ فِيهَا وَلَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِمْ بِظُلْمٍ غَيْرِ ذَلِكَ لَا فِي الْأَمْوَالِ وَلَا فِي الْأَنْفُسِ وَلَهُمْ جَوَامِعُ يُصَلُّونَ فِيهَا وَيَصُومُونَ رَمَضَانَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَفُكُّونَ الْأُسَارَى مِنْ أَيْدِي النَّصَارَى إذَا حَلُّوا بِأَيْدِيهِمْ وَيُقِيمُونَ حُدُودَ الْإِسْلَامِ جَهْرًا كَمَا يَنْبَغِي وَيُظْهِرُونَ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ عِيَانًا كَمَا يَجِبُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ النَّصْرَانِيُّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِمْ الدِّينِيَّةِ وَيَدْعُونَ فِي خُطَبِهِمْ لِسَلَاطِينِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ شَخْصٍ وَيَطْلُبُونَ مِنْ اللَّهِ نَصْرَهُمْ وَهَلَاكَ أَعْدَائِهِمْ الْكُفَّارِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُونَ أَنْ يَكُونُوا عَاصِينَ بِإِقَامَتِهِمْ بِبِلَادِ الْكُفْرِ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْهِجْرَةُ . وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ إظْهَارِ الدِّينِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى أَمَانٍ أَنْ يُكَلِّفُوهُمْ الِارْتِدَادَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى إجْرَاءِ أَحْكَامِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْ لَا تَجِبُ نَظَرًا إلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْحَالِ الْمَذْكُورِ , ثُمَّ إنْ رَجُلًا مِنْ الْوَطَنِ الْمَذْكُورِ جَاءَ إلَى أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ مَخَافَةَ أَنْ يَمْنَعَاهُ مِنْهُ فَأَدَّاهَا فَهَلْ حَجُّهُ صَحِيحٌ أَوْ لَا لِإِيقَاعِهِ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ وَهَلْ يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلَى أَبَوَيْهِ فِي الْوَطَنِ الْمَذْكُورِ ؟

(1) -فتاوى الرملي - (ج 5 / ص 182)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت