فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 1664

ولا شك أن هذا ليس لكل أحد، وأغلب الناس سريع التأثر بما عليه الكفار، وخاصة في هذا الزمان الذي غلب فيه أهل الكفر، ونحن نرى ولوع كثير من المسلمين بتقليد الكفار واتباعهم وهم في ديار الإسلام فكيف الحال بمن هو مقيم بين أظهرهم، لا شك أن الفتنة أعظم والخطر أكبر، وأحكام الشريعة مبنية على الغالب الكثير لا على ما شذّ وندر.

[1] أخرجه أبو داود [2482] وحسنه الألباني في تخريج مناقب الشام وأهله (ص79) .

[2] أخرجه أبو داود [2645] والترمذي [1604] من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [1461] .

[3] انظر: المغني لابن قدامة (13/151) .

[4] فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (1/91-92)

[5] مغني المحتاج (4/239) وانظر: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل (1/687-692) .

قراءة في الواقع الإسلامي المعاصر

بقلم: محيي الدين صالح

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ومن هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه"الفاروق عمر بن الخطاب"-رضي الله عنه- فعندما استعرض أهم الأحداث التي مرت على الأمة الإسلامية بهدف التأريخ للحضارة الإسلامية بها، اختار هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، لتكون بداية التاريخ الهجري محسوبًا على الشهور القمرية، ذلك لما لهذا الحدث من آثار اعتبرها الفاروق عمر أكثر دلالة على خصوصية الأمة الإسلامية وتميزها، ومن ثم على حضارتها وتاريخها، بالإضافة الى المقدمات العظيمة التي مهدت لها والتوابع التي لحقت بها في نفس المجال، ولم يتوقف الفاروق عند يوم مولد المصطفى ولا يوم بعثته ولا يوم انتقاله الى الرفيق الأعلى.

وبذلك وضع سيدنا عمر -رضي الله عنه- حدث الهجرة وأهميتها ودلالاتها في إطارها الصحيح، بحيث لا تغيب مقدماتها ولا توابعها عن أذهان المسلمين مع مرور السنين، خاصة بعد حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الذي قال فيه:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، وهذا الحديث لو قرأناه بجوار قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) ، لو قرأنا الآية والحديث معًا نجد تلك العلاقة الوثيقة بين الهجرة ومقدماتها وتوابعها، وأقصد بمقدمات الهجرة قوله تعالى (تؤمنون بالله ورسوله) وأقصد بالتوابع قوله تعالى (وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) ، لأن الإيمان والجهاد سيكون لهما استمرارية بعد الفتح الذي أنعم الله به على المسلمين حين أوقفت الهجرة البدنية بنص الحديث الشريف.

وفي نفس الوقت لو قمنا بقراءة للواقع الإسلامي المعاصر سنجد الآثار، التي ترتبت على انصراف المسلمين عن حقيقة الإيمان وعن الجهاد، واضحة للعيان، لأن ما وصل إليه حال الأمة الإسلامية في هذه الفترة الأخيرة لا يعدّ مفاجأة غير متوقعة، بل هي توابع حتمية لمجموعة من العوامل تراكمت مع مرور السنين، وخلفت وراءها رواسب كثيفة على وجدان وفكر كثير من الناس، وكست قلوبهم بما كان يحذرنا منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو"حب الدنيا".

وهذه الزلزلة التي يعاني منها المسلمون الآن -ولا أقول الإسلام- نتيجة طبيعية لزلزلة فكرية نزلت بساحتهم من قبل، فاستكانوا لها وكأنهم تقبلوها، ولقد كانت هذه الزلزلة الفكرية بمثابة الردة عن ثوابت إيمانية ما كان ينبغي أن نتركها للمد والجزر، أو المزايدات الرخيصة، فالواقع الإسلامي المعاصر فيه من الألم بقدر ما فيه من الحسرة، وفيه من الحيرة ما يماثل تلك التي واجهت الذين خلوا من قبلنا (مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) من الآية 214 من سورة البقرة.

وما دام ختام الآية السابقة هو قوله تعالى (ألا إن نصر الله قريب) فوجب استدعاء آية أخرى في سورة الحج هي قوله تعالى (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) ، ويبقى من أطراف هذه المعادلة أن نحدد المعنيِّين بقوله تعالى (من ينصره) ، وهم كما بينتها الآية التالية لها (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) ، معنى ذلك أن النصر الذي وعد الله به له أسباب يجب استيفاؤها، وتكاليف وأعباء يجب القيام بها مسبقًا، وكما يقول سيد قطب في كتابه القيم"في ظلال القرآن"فقد يبطئ النصر لأسباب تتعلق بالمجتمع الإسلامي واستعداداته لاستقبال الحق والخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت