فهرس الكتاب
ومن أهم الأسباب التي يستحق بها أهل الإيمان نصر الله ويدخلون بها في حمايته سبحانه وتعالى"الهجرة إلى الله"، فالبناء الصحيح لا يقوم إلا على أساس متين، ولو استعرضنا بدايات المجتمع الإسلامي ثم الدولة الإسلامية ثم الحضارة الإسلامية بهذا التتابع، نجد أنها كلها بنيت على الهجرة إلى الله. وإذا كان كثير من الناس ينظرون إلى هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من مكة إلى المدينة على أنها هي الهجرة الأولى للرسول وصحبه، فإن هذه النظرة غير دقيقة بصرف النظر عن هجرة فئة من المسلمين إلى إفريقيا في بداية الدعوة، لأن تلك الهجرة فعلًا هى الأولى بدنيًّا، ولكن سبقتها هجرة من نوع آخر لهؤلاء المسلمين الأوائل حين هاجروا عن معتقدات قديمة وسلوكيات متوارثة وتوجهات بالية، واتجهوا بقلوبهم إلى الله تاركين خلفهم مباهج الدنيا وزينتها، متوجهين الى تجارة مع الله تنجي من عذاب أليم، وهذه الهجرة الفكرية هي التي أسست بناء المجتمع الإسلامي بقناعاته وتوجهاته المقنعة، وكان هذا الأساس متينًا لم تعصف به ويلات التعذيب التي سقاها الكفار للمسلمين في مكة قبل أن يغادروها.
وبعد ذلك بسنوات كانت الهجرة الثانية بالأبدان، وكما سبق أن فارق المسلمون عادات وتقاليد كانت لها مكانة في نفوسهم، هاجروا أيضًا إلى موطن جديد تاركين خلفهم أحب أرض الله إليهم، وكانت هذه الهجرة من مكة إلى المدينة هي اللبنة الأولى التي وضعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بناء الدولة الإسلامية على أساس متين، وإذا كانت الهجرة الأولى عن المعتقدات والثانية عن الأوطان فإن الهجرة الثالثة كانت عن الأنفس، فقد تجرد المسلمون عن أنفسهم وباعوها لله سبحانه وتعالى بالجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، كما يقول الله سبحانه وتعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) 111 التوبة، وهذه الهجرة هي التي أسست لبناء الحضارة الإسلامية.
خلاصة القول أن الهجرة الأولى بالقلوب والعقول عن المعتقدات بُني عليها المجتمع الإسلامي، والهجرة الثانية بالأبدان عن الأوطان ُبنيت عليها الدولة الإسلامية، والهجرة الثالثة بالجهاد في سبيل الله عن الأنفس بُنيت عليها الحضارة الإسلامية وتأصيل عالمية الإسلام وتثبيت أركانه ودعائمه.
ولقراءة الواقع الإسلامي المعاصر قراءة صحيحة، كان لابد من هذه الرؤية المتأنية للواقع الإسلامي في مولده"مجتمعًا ثم دولةً ثم حضارة"، مع مقارنة ضرورية بين العصر الأول في عهد رسول الإسلام وبين العصر الأخير في القرن الخامس عشر الهجري، وقد حدث ارتداد شبه جماعي عن الهجرات الثلاث، فأصبحت عبادة العقل والهوى من سمات بعض المثقفين التي يتفاخرون بها تحت أسماء كثيرة، إلا أن هذه الفئة تسيطر على كثير من مقدرات ومقومات ومعطيات الحركة الثقافية الإسلامية وتوجهها نحو هاوية التفريق بين الالتزام الديني والخلقي وبين الإرث الثقافي، كما سبق أن قام بعض ضعاف النفوس بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى بالتفريق بين الصلاة والزكاة.
كما أننا في حاجة ماسة إلى توحيد الأوطان وتجاوز الصراعات المكثفة البادية بين البلاد الإسلامية في أشكال متعددة من حدود سياسية مقدسة وجوازات وجمارك وأنواع متعددة من الإجراءات الأمنية، أما الجهاد الذي صار فريضة غائبة كما يسميها بعض المفكرين، أو ذروة السنام كما سماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد أصبح في دائرة الممنوعات في هذا العصر الذي يسميه بالإرهاب.
ولن نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن المجتمع الإسلامي في حاجة إلى هجرة جماعية جديدة في بعديها"الأول والثالث"أما البعد الثاني وهوالهجرة بالأبدان فهي موقوفة بنص الحديث (لا هجرة بعد الفتح) وإن كانت أرض الله واسعة أمام المستضعفين في الأرض، وأهمية هذه الهجرة بمفهومها الشامل تتضح أكثر إذا فكرت الأمة الإسلامية في مخرج لها، (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) .
ولا شك أن للهجرة فضلًا كبيرًا على الإنسانية كلها، وليس على الأمة الإسلامية فقط فلولا الهجرات الثلاث (عن العقيدة الخاطئة ثم عن الوطن ثم عن النفس) ، ولولا الحضارة الإسلامية لما خرجت الإنسانية من عصور الظلام والانحطاط إلى نور الهداية والعلم والمعرفة والنظم والحقوق والأمن، وستظل الهجرة، حدثًا ومعنى، تمد الأمة الإسلامية بالكثير من العظات والعبر، وينهل منها أولو العلم، ويسير على دربها السالكون لسبل الهداية، ويقتفي آثارها خير خلف لخير سلف.
بقي أن نعي قراءة نشأة الحضارة الإسلامية بكل مفرداتها، لنتمكن من قراءة الواقع الإسلامي المعاصر بكل ملابساته قراءة صحيحة، وذلك للخروج من هذا التيه المفروض علينا بشكل أو بآخر، وإلا كان البديل الصعب (وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) .