فهرس الكتاب
عَلَى اعْتِبَارِهِ , ثُمَّ قَدْ افْتَرَقَ حُكْمُهُمْ , فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ , وَغَيْرُهُمْ لَا يُقِرُّ بِهَا , وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْبُودَاتِهِمْ , وَمُعْتَقِدَاتِهِمْ , وَآرَائِهِمْ , يَسْتَحِلُّ بَعْضُهُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ , وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , فَكَانُوا مِلَلًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ , رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ , عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً . وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ , فَيَكُونُ إجْمَاعًا .
. ( 5179 ) (1) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ: ( وَلَا يُزَوِّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً بِحَالٍ , وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سُلْطَانًا , أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ ) أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ , بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ , مِنْهُمْ ; مَالِكٌ , وَالشَّافِعِيُّ , وَأَبُو عُبَيْدٍ , وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الذِّمِّيِّ: إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ , هَلْ يَلِي نِكَاحَهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا , يَلِيهِ ; لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ , فَيَلِي نِكَاحَهَا كَالْمُسْلِمِ , وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَيْهَا فَيَلِيهِ كَإِجَارَتِهَا . وَالثَّانِي , لَا يَلِيهِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * وَلِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَلَا يَلِي نِكَاحَهَا كَابْنَتِهِ . فَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ وَهَذَا أَوْلَى ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْكَافِرَةِ , غَيْرَ السَّيِّدِ وَالسُّلْطَانِ وَوَلِيِّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ ; وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * . وَلِأَنَّ مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ لَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ , وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ , فَلَمْ يَلِ عَلَيْهِ , كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا . وَأَمَّا سَيِّدُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ , فَلَهُ تَزْوِيجُهَا لِكَافِرٍ ; لِكَوْنِهَا لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ , وَكَذَلِكَ وَلِيُّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ يَلِي تَزْوِيجَهَا لِكَافِرٍ ; لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ بِالْمِلْكِ , فَلَمْ يَمْنَعْهَا كَوْنُ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ مُسْلِمًا , كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ , وَلِأَنَّ هَذِهِ تَحْتَاجُ إلَى التَّزْوِيجِ . وَلَا وَلِيَّ لَهَا غَيْرُ سَيِّدِهَا فَأَمَّا السُّلْطَانُ , فَلَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ , وَهَذِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ , فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا , كَالْمُسْلِمَةِ . وَأَمَّا الْكَافِرُ , فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ , عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُسْلِمِينَ , وَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ , وَيُخَرَّجُ فِي اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِ فِي دِينِهِ وَجْهَانِ , بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اعْتِبَارِهَا فِي الْمُسْلِمِينَ .
وفي الطرق الحكمية (2) :
(1) - المغني - (ج 14 / ص 400)
(2) - الطرق الحكمية - (ج 1 / ص 242)