شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ . قَالُوا: وَالْكَافِرُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا فِي دِينِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ , صَادِقَ اللَّهْجَةِ عِنْدَهُمْ , فَلَا يَمْنَعُهُ كُفْرُهُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ إذَا ارْتَضَوْهُ , وَقَدْ رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْ الْكُفَّارِ يَصْدُقُ فِي حَدِيثِهِ , وَيُؤَدِّي أَمَانَتَهُ , بِحَيْثُ يُشَارُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَيَشْتَهِرُ بِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ , وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , بِحَيْثُ يَسْكُنُ الْقَلْبَ إلَى صِدْقِهِ , وَقَبُولِ خَبَرِهِ وَشَهَادَتِهِ مَا لَا يَسْكُنُ إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ , وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُعَامَلَتَهُمْ , وَأَكْلَ طَعَامِهِمْ ; وَحِلَّ نِسَائِهِمْ , وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الرُّجُوعَ إلَى أَخْبَارِهِمْ قَطْعًا , فَإِذَا جَازَ لَنَا الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِمْ , فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَا مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي تَحِلُّ وَتَحْرُمُ , فَلَأَنْ نَرْجِعَ إلَى أَخْبَارِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى , فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا لِلْحَاجَةِ , قِيلَ: وَذَلِكَ أَشَدُّ حَاجَةً . قَالُوا: وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إمَّا إيجَابًا وَإِمَّا تَخْيِيرًا , وَالْحُكْمُ إمَّا بِالْإِقْرَارِ وَإِمَّا بِالْبَيِّنَةِ , وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ مَعَ الْإِقْرَارِ لَا يَرْفَعُونَ إلَيْنَا , وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْحُكْمِ غَالِبًا , وَإِنَّمَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْحُكْمِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ , وَهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا تَحْضُرُهُمْ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ مَقْصُودُهُ الْعَدْلُ , وَإِيصَالُ كُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْهُمْ إلَى حَقِّهِ , فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ مُدَّعِيهِمْ بِمَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ الشُّهُودِ الَّذِي يَرْتَضُونَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ , وَلَا سِيَّمَا إذَا كَثُرُوا , فَالْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ أَقْوَى مِنْ الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِ نَاكِلِهِمْ أَوْ يَمِينِهِ , وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا . قَالُوا: وَأَمَّا قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ * وَقَوْلُهُ: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ * وَقَوْلُهُ: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ *: فَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّ السِّيَاقَ كُلَّهُ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ * وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ * - إلَى قوله تعالى - وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ * وَكَذَلِكَ قَالَ فِي آيَةِ الْمُدَايَنَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ * - إلَى قَوْلِهِ - وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ * فَلَا تَعَرُّضَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِحُكْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَلْبَتَّةَ . وَأَمَّا قوله تعالى: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ * فَهَذَا إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ: الْعَدَاوَةُ الَّتِي بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , أَوْ يُرَادَ بِهِ الْعَدَاوَةُ الَّتِي بَيْنَ فِرَقِهِمْ , وَإِنْ كَانُوا مِلَّةً وَاحِدَةً , وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , فَإِنَّهَا عَدَاوَةٌ دِينِيَّةٌ , فَهِيَ كَالْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَ فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ , وَإِلْبَاسِهِمْ شِيَعًا , وَإِذَاقَةِ بَعْضِهِمْ بَأْسَ بَعْضٍ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ إلَى أَنْ يَكْذِبَ عَلَى مِثْلِهِ أَقْرَبُ , فَيُقَالُ: وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَالْخَوَارِجُ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ لَهْجَةً , وَقَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ , وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ غَيْرُ كَاذِبِينَ , فَهُمْ مُتَدَيِّنُونَ بِهَذَا الْكَذِبِ , وَيَظُنُّونَهُ مِنْ أَصْدَقِ الصِّدْقِ . وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ أَيْضًا بِأَنَّ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ إكْرَامًا لَهُمْ , وَرَفْعًا لِمَنْزِلَتِهِمْ وَقَدْرِهِمْ , وَرَذِيلَةُ الْكُفْرِ تَنْفِي ذَلِكَ . قَالَ الْآخَرُونَ: رَذِيلَةُ الْكُفْرِ لَمْ تَمْنَعْ قَبُولَ قَوْلِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِلْحَاجَةِ , بِنَصِّ الْقُرْآنِ , وَلَمْ تَمْنَعْ وِلَايَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , وَعِرَافَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَكَوْنُ بَعْضِهِمْ حَاكِمًا وَقَاضِيًا