وفي السياسة الشرعية (1) :
وَوَلِيُّ الْأَمْرِ إذَا تَرَكَ إنْكَارَ الْمُنْكَرَاتِ , وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهَا , بِمَالٍ يَأْخُذُهُ , كَانَ بِمَنْزِلَةِ مُقَدَّمِ الْحَرَامِيَّةِ , الَّذِي يُقَاسِمُ الْمُحَارِبِينَ عَلَى الْأَخِيذَةِ وَبِمَنْزِلَةِ الْقَوَّادِ الَّذِي يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُهُ ; لِيَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى فَاحِشَةٍ , وَكَانَ حَالُهُ شَبِيهًا بِحَالِ عَجُوزِ السُّوءِ امْرَأَةِ لُوطٍ الَّتِي كَانَتْ تَدُلُّ الْفُجَّارَ عَلَى ضَيْفِهِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ * وَقَالَ تَعَالَى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا امْرَأَتَكَ إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ * فَعَذَّبَ اللَّهُ عَجُوزَ السُّوءِ الْقَوَّادَةَ , بِمِثْلِ مَا عَذَّبَ قَوْمَ السُّوءِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ الْخَبَائِثَ , وَهَذَا لِأَنَّ هَذَا جَمِيعَهُ أَخْذُ مَالٍ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ , وَوَلِيُّ الْأَمْرِ إذَا نُصِبَ لِيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ , وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ , وَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ فَإِذَا كَانَ الْوَالِي يُمَكِّنُ مِنْ الْمُنْكَرِ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ , كَانَ قَدْ أَتَى بِضِدِّ الْمَقْصُودِ , مَنْ نَصَّبْتَهُ لِيُعِينَكَ عَلَى عَدُوِّكَ , فَأَعَانَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ , وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ مَالًا لِيُجَاهِدَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَقَاتَلَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ الْعِبَادِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ , فَإِنَّ صَلَاحَ الْمَعَاشِ وَالْعِبَادِ , فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ , وَبِهِ صَارَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ * . وَقَالَ تَعَالَى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ * . وَقَالَ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ * وَقَالَ تَعَالَى عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ , لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * . وَقَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعَذَابَ لَمَّا نَزَلَ , نَجَّى الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ , وَأَخَذَ الظَّالِمِينَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ . وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ * وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ , أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ * . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: إنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا أُخْفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا , وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ أَضَرَّتْ الْعَامَّةَ * وَهَذَا الْقِسْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحُكْمِ , فِي حُدُودِ اللَّهِ وَحُقُوقِهِ وَمَقْصُودِهِ الْأَكْبَرِ , هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ , فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ , وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمَانَةِ , وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ , وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ , وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَالْوَاجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِالصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ جَمِيعَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَمْرِهِ وَيُعَاقِبُ التَّارِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ كَانَ التَّارِكُونَ طَائِفَةً مُمْتَنِعَةً قُوتِلُوا عَلَى تَرْكِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ , وَكَذَلِكَ يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِ الزَّكَاةِ , وَالصِّيَامِ
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 28 / ص 305) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 381)