صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان ، أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى ، والوعد بالخلود في الجنات والفوز العظيم ، وبين في مواضع أخر . أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم في الخير كقوله جل وعلا: { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِم } [ الجمعة: 3 ] الآية ، وقوله: { والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا } [ الحشر: 10 ] الآية ، وقوله: { والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُم } [ الأنفال: 75 ] .
ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة ، أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ، وهو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم ، أنه ضال مخالف لله جل وعلا ، حيث أبغض من رضي الله عنه . ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا ، وتمرد وطغيان .
وقال السعدي (1) :
السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللّه.
{ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ } { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا، وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصادقون } .
{ و } من { الأنْصَارِ } { الذين تبوأوا الدار والإيمان، [من قبلهم] يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } .
{ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } بالاعتقادات والأقوال والأعمال، فهؤلاء، هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللّه.
{ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ } ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة، { وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ } الجارية التي تساق إلى سَقْيِ الجنان، والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة.
{ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } لا يبغون عنها حولا ولا يطلبون منها بدلا لأنهم مهما تمنوه، أدركوه، ومهما أرادوه، وجدوه.
{ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل لهم فيه، كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع عنهم كل محذور.
وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله (2) :
(والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان , رضي اللّه عنهم ورضوا عنه , وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا , ذلك الفوز العظيم) . .
وهذه الطبقة من المسلمين - بمجموعاتها الثلاث: (السابقون الأولون من المهاجرين . والأنصار . والذين اتبعوهم بإحسان) - كانت تؤلف القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم في الجزيرة بعد الفتح - كما أسلفنا في الجزء العاشر في تقديم السورة وكانت هي التي تمسك هذا المجتمع كله في كل شدة , وفي كل رخاء كذلك:فابتلاء الرخاء كثيرًا ما يكون أصعب وأخطر من ابتلاء الشدة !
والسابقون من المهاجرين نميل نحن إلى اعتبار أنهم هم الذين هاجروا قبل بدر , وكذلك السابقون منالأنصار . أما الذين اتبعوهم بإحسان - الذين يعنيهم هذا النص وهو يتحدث عما كان واقعًا إبان غزوة تبوك - فهم الذين اتبعوا طريقهم وآمنوا إيمانهم وأبلوا بلاءهم بعد ذلك , وارتفعوا إلى مستواهم الإيماني - وإن بقيت للسابقين سابقتهم بسبقهم في فترة الشدة قبل بدر , وهي أشد الفترات طبعًا .
وقد وردت أقوال متعددة في اعتبار من هم السابقون من المهاجرين والأنصار . فقيل:هم الذين هاجروا ونصروا قبل بدر وقيل:هم الذين صلوا للقبلتين . وقيل:هم أهل بدر . وقيل:هم الذين هاجروا ونصروا قبل الحديبية . وقيل:هم أهل بيعة الرضوان . . . ونحن نرى من تتبعنا لمراحل بناء المجتمع المسلم وتكون طبقاته الإيمانية , أن الاعتبار الذي اعتبرناه أرجح . . واللّه أعلم . .
ولعله يحسن أن نعيد هنا فقرات مما سبق أن فصلناه في الجزء العاشر عن مراحل بناء المجتمع المسلم وتكون طبقاته الإيمانية , يكون حاضرًا بين يدي قارئ هذا الجزء , خيرًا من إحالته إلى الجزء السابق ; لتكون هذه الحقيقة قريبة منه يتتبع على ضوئها ذلك التصنيف النهائي للمجتمع في الآيات التي نواجهها هنا:
"لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة , فلم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش - تحس بالخطر الحقيقي الذي يتهددها من دعوة:"أن لا إله إلا اللّه , وأن محمدًا رسول اللّه"وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان اللّه ; ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى اللّه . ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - هذا التجمع الذي يدين منذ اليوم الأول بالطاعة للّه ولرسول اللّه ; ويتمرد ويخرج على القيادة الجاهلية الممثلة في قريش والأوضاع السائدة في هذه الجاهلية ."
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 349)
(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 224)