"لم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش أول الأمر - تحس بهذا الخطر وذاك حتى شنتها حربًا شعواء على الدعوة الجديدة . . وعلى التجمع الجديد , وعلى القيادة الجديدة ; وحتى أرصدت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن فتنة ومن حيلة . ."
"لقد انتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه . وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى ربوبية اللّه للعالمين , في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من ربوبية العباد للعباد ; وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد , يتبع في تحركه قيادة جديدة , ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض . ."
"وعندئذ تعرض كل فرد في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها , إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان . . ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه , والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد , والدينونة لقيادته الجديدة , إلا كل من نذر نفسه للّه ; وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب , والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان ."
"بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عودًا في المجتمع العربي ; فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوط فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى ; وكان هذا النوع قليلًا ; فقد كان الأمر كله معروفا مكشوفا من قبل ; فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام , وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب ; إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التكوين ."
"وهكذا اختار اللّه السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة , ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة ; ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة مع السابقين من الأنصار ,الذين وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون , إلا أن بيعتهم لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - [ بيعة العقبة ] قد دلت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة مكافئة لطبيعة هذا الدين . . قال ابن كثير في التفسير:"وقال محمد بن كعب القرظي وغيره:قال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - [ يعني ليلة العقبة ] :اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال:"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ; وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قالوا:فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ? قال:"الجنة". قالوا:ربح البيع , ولا نقيل ولا نستقيل"."
"ولقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول اللّه هذه البيعة ; ولا يرتقبون من ورائها شيئًا إلا الجنة ; ويوثقون هذا البيع , فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه ولا أن يرجع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين ; بل كانوا مستيقنين أن قريشا وراءهم , وأن العرب كلها سترميهم ; وأنهم لن يعيشوا في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة , وبين ظهرانيهم في المدينة". .
.. ."فقد كان الأنصار إذن يعلمون - عن يقين واضح - تكاليف هذه البيعة ; وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئًا في هذه الحياة الدنيا - حتى ولا النصر والغلبة - وأنهم لم يوعدوا عليها إلا الجنة . . ثم كان هذا مدى وعيهم بها ومدى حرصهم عليها . . فلا جرم أن يكونوا - مع السابقين من المهاجرين الذين بُنوا هذا البناء وأعدوا هذا الإعداد - هم القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم أول العهد بالمدينة . ."
"ولكن مجتمع المدينة لم يظل بهذا الخلوص والنقاء . . لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة واضطر أفراد كثيرون - ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم - أن يجاروا قومهم احتفاظًا بمكانتهم فيهم . . حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبير هؤلاء:عبد اللّه بن أبي بن سلول:هذا أمر قد توجه ! وأظهر الإسلام نفاقا . ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليدًا - ولو لم يكونوا منافقين - ولكنهم لم يكونوا بعد قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه . . مما أنشأ تخلخلًا في بناء المجتمع المدني , ناشئًا عن اختلاف مستوياته الإيمانية ."
وهنا أخذ المنهج القرآني التربوي الفريد , بقيادة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعمل عمله في هذه العناصر الجديدة ; ويعمل كذلك على إعادة التناسق والتوافق بين المستويات العقيدية والخلقية والسلوكية للعناصر المختلفة الداخلة في جسم المجتمع الوليد .
"وحين نراجع السور المدنية - بترتيب النزول التقريبي - فإننا نطلع على الجهد الكبير الذي بذل في عملية الصهر الجديدة المستمرة للعناصر المتنوعة في المجتمع المسلم ; وبخاصة أن هذه العناصر ظلت تتوارد على هذا المجتمع - على الرغم من وقفة قريش العنيدة وتأليبها لكل قبائل الجزيرة ; ومن وقفة اليهود البشعة وتأليبهم كذلك للعناصر المعادية للدين الجديد والتجمع الجديد - وظلت الحاجة مستمرة لعمليات الصهر والتنسيق بصورة دائمة لا تفتر ولا تغفل لحظة ."