فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 1664

فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ وُجُوهٍ , أَحَدُهَا: مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ , وَهُوَ قوله تعالى وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ , فَإِذَا قَالُوا قَوْلًا فَاتَّبَعَهُمْ مُتَّبِعٌ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ صِحَّتَهُ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لَهُمْ , فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَى ذَلِكَ , وَأَنْ يَسْتَحِقَّ الرِّضْوَانَ , وَلَوْ كَانَ اتِّبَاعُهُمْ تَقْلِيدًا مَحْضًا كَتَقْلِيدِ بَعْضِ الْمُفْتِينَ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَنْ اتَّبَعَهُمْ الرِّضْوَانَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا , فَأَمَّا الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ اتِّبَاعُهُمْ حِينَئِذٍ . فَإِنْ قِيلَ: اتِّبَاعُهُمْ هُوَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالُوا بِالدَّلِيلِ , وَهُوَ سُلُوكُ سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا بِالِاجْتِهَادِ , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِإِحْسَانٍ * وَمَنْ قَلَّدَهُمْ لَمْ يَتَّبِعْهُمْ بِإِحْسَانٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُطْلَقُ الِاتِّبَاعِ مَحْمُودًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الِاتِّبَاعِ بِإِحْسَانٍ أَوْ بِغَيْرِ إحْسَانٍ , وَأَيْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادُ بِهِ اتِّبَاعُهُمْ فِي أُصُولِ الدِّينِ , وَقَوْلُهُ بِإِحْسَانٍ * أَيْ بِالْتِزَامِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ , وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنَّ السَّابِقِينَ قَدْ وَجَبَ لَهُمْ الرِّضْوَانُ , وَإِنْ أَسَاءُوا ; لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ * , وَأَيْضًا فَالثَّنَاءُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ كُلَّهُمْ , وَذَلِكَ اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ , وَأَيْضًا فَالثَّنَاءُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ , وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِهِمْ , وَذَلِكَ دَلِيلُ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ , أَوْ تَقْلِيدِ الْأَعْلَمِ كَقَوْلِ طَائِفَةٍ أُخْرَى . أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِيهِ . فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاتِّبَاعَ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاجْتِهَادَ لِوُجُوهٍ , أَحَدُهَا: أَنَّ الِاتِّبَاعَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ * وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ * وَنَحْوُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْقَائِلِ ; الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ اتِّبَاعَهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ السَّابِقِينَ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَ مُوجِبِ الدَّلِيلِ يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ , فَمَنْ قَالَ قَوْلًا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَجَبَ مُوَافَقَتُهُ فِيهِ ; الثَّالِثُ: أَنَّهُ إمَّا أَنْ تَجُوزَ مُخَالَفَتُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ أَوْ لَا تَجُوزُ , فَإِنْ لَمْ تَجُزْ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ , وَإِنْ جَازَتْ مُخَالَفَتُهُمْ فَقَدْ خُولِفُوا فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ وَاتَّبَعُوا فِي أَحْسَنِ الِاسْتِدْلَالِ , فَلَيْسَ جَعْلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتْبِعًا لِمُوَافَقَتِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِأَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مُخَالِفًا لِمُخَالَفَتِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ ; الرَّابِعُ: أَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي أَفْتَوْا بِهِ لَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لَهُمْ أَصْلًا , بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مُجْتَهِدًا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسْأَلَةٍ بَعْدَ اجْتِهَادٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ"اتَّبِعْهُ", وَإِنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأَنْ يُقَالَ اتَّبِعْهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَوْ الِاجْتِهَادِ . الْخَامِسُ: أَنَّ الِاتِّبَاعَ افْتِعَالٌ مِنْ اتَّبَعَ , وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ نَوْعَ افْتِقَارٍ إلَيْهِ وَمَشْيٍ خَلْفَهُ , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُسْتَدِلِّينَ لَيْسَ تَبَعًا لِلْآخَرِ وَلَا مُفْتَقِرًا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَشْعِرَ مُوَافَقَتَهُ وَالِانْقِيَادَ لَهُ , وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ وَافَقَ رَجُلًا فِي اجْتِهَادِهِ أَوْ فَتْوَاهُ اتِّفَاقًا إنَّهُ مُتَّبِعٌ لَهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت