فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 1664

السَّادِسُ: أَنَّ الْآيَةَ قُصِدَ بِهَا مَدْحُ السَّابِقِينَ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ , وَبَيَانُ اسْتِحْقَاقِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً مَتْبُوعِينَ , وَبِتَقْدِيرِ أَلَّا يَكُونَ قَوْلُهُمْ مُوجِبًا لِلْمُوَافَقَةِ وَلَا مَانِعًا مِنْ الْمُخَالَفَةِ - بَلْ إنَّمَا يَتَّبِعُ الْقِيَاسَ مَثَلًا - لَا يَكُونُ لَهُمْ هَذَا الْمَنْصِبُ , وَلَا يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ ; السَّابِعُ: أَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ فَلَمْ يَتَّبِعْهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لَهُمْ بِمُجَرَّدِ مُشَارَكَتِهِمْ فِي صِفَةٍ عَامَّةٍ , وَهِيَ مُطْلَقُ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ , وَلَا سِيَّمَا وَتِلْكَ الصِّفَةُ الْعَامَّةُ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِهِ ; لِأَنَّ مَا يَنْفِي الِاتِّبَاعَ أَخَصُّ مِمَّا يُثْبِتُهُ . وَإِذَا وُجِدَ الْفَارِقُ الْأَخَصُّ وَالْجَامِعُ الْأَعَمُّ - وَكِلَاهُمَا مُؤَثِّرٌ - كَانَ التَّفْرِيقُ رِعَايَةً لِلْفَارِقِ أَوْلَى مِنْ الْجَمْعِ رِعَايَةً لِلْجَامِعِ , وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِإِحْسَانٍ * فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَجْتَهِدَ , وَافَقَ أَوْ خَالَفَ ; لِأَنَّهُ إذَا خَالَفَ لَمْ يَتَّبِعْهُمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ بِإِحْسَانٍ , وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ فِيهِ اتِّبَاعٌ لَهُمْ , لَكِنَّ الِاتِّبَاعَ لَهُمْ اسْمٌ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ وَافَقَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ , فَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّبِعُ مُحْسِنًا بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ ; لِئَلَّا يَقَعَ الِاغْتِرَارُ بِمُجَرَّدِ الْمُوَافَقَةِ قَوْلًا , وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُحْسِنَ الْمُتَّبِعُ لَهُمْ الْقَوْلَ فِيهِمْ , وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمْ , اشْتَرَطَ اللَّهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنْ سَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَنَالُونَ مِنْهُمْ . وَهَذَا مِثْلُ قوله تعالى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا * وَأَمَّا تَخْصِيصُ اتِّبَاعِهِمْ بِأُصُولِ الدِّينِ دُونَ فُرُوعِهِ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ عَامٌّ , وَلِأَنَّ مَنْ اتَّبَعَهُمْ فِي أُصُولِ الدِّينِ فَقَطْ لَوْ كَانَ مُتَّبِعًا لَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَكُنَّا مُتَّبِعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ اتِّبَاعِ السَّابِقِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ"فُلَانٌ يَتَّبِعُ فُلَانًا , وَاتَّبِعْ فُلَانًا , وَأَنَا مُتَّبِعٌ فُلَانًا", وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ وَلَا حَالِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اتِّبَاعَهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَأَتَّى فِيهَا الِاتِّبَاعُ ; لِأَنَّ مَنْ اتَّبَعَهُ فِي حَالٍ وَخَالَفَهُ فِي أُخْرَى لَمْ يَكُنْ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ مُتَّبِعٌ أَوْلَى مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ ; وَلِأَنَّ الرِّضْوَانَ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِاتِّبَاعِهِمْ , فَيَكُونُ الِاتِّبَاعُ سَبَبًا لَهُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِمَا هُوَ مُشْتَقٌّ يَقْتَضِي أَنَّ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ سَبَبٌ , وَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُهُمْ سَبَبًا لِلرِّضْوَانِ اقْتَضَى الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ , وَلَا اخْتِصَاصَ لِلِاتِّبَاعِ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ , وَلِأَنَّ الِاتِّبَاعَ يُؤْذِنُ بِكَوْنِ الْإِنْسَانِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَفَرْعًا عَلَيْهِ , وَأُصُولُ الدِّينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَلِأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ وَجَعْلَهُمْ أَئِمَّةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ , فَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا اتِّبَاعَهُمْ فِي أُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرَائِعِ لَمْ يَكُونُوا أَئِمَّةً فِي ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اتِّبَاعِهِمْ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت