فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 1664

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله (1) :

قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مُجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء.

قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لَهَبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين (3) كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، [ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها] (4) فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم.

وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جُبَير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عَطَش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع (5) [حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع] (6) حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فَرْثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله عز وجل، قد عَوّدك في الدعاء خيرا، فادع لنا. قال:"تحب ذلك". قال: نعم! فرفع يديه فلم

(3) في أ:"رجلين".

(4) زيادة من أ.

(5) في ت:"ستقطع".

(6) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.

يرجعهما حتى مالت السماء فأظَلَّت (1) ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. (2)

وقال ابن جرير في قوله: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } أي: من النفقة والظهر والزاد والماء، { مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ } (3) أي: عن الحق ويشك في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرتاب، بالذي نالهم من المشقة والشدة في سفره وغزوه، { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه، { إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .

(1) في ت، ك، أ:"فأهطلت".

(2) تفسير الطبري (14/541) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (1707) "موارد"والحاكم في المستدرك (1/159) من طريق حرملة ابن يحيى، ورواه البزار في مسنده برقم (1841) "كشف الأستار"من طريق أصبغ بن الفرج كلاهما عن ابن وهب به نحوه، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". قال المؤلف ابن كثير في السيرة (4/16) :"إسناد جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه".

(3) في أ:"يزيغ".

وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله (2) :

وتوبة اللّه على النبي - صلى الله عليه وسلم - تفهم بالرجوع إلى ما كان في أحداث الغزوة بجملتها ; والظاهر أنها متعلقة بما سبق أن قال اللّه عنه لنبيه: (عفا اللّه عنك . لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) . . ذلك حين استأذنه جماعة من أولي الطول بأعذار منتحلة فأذن لهم . وقد عفا اللّه عنه في اجتهاده صلى الله عليه وسلم - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين !

وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) . .

وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل - وهم من خلص المؤمنين - وبعضهم استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم ! ثم ثبت اللّه قلبه ومضى بعد تردد .

ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر اللّه - سبحانه - أنه كان (ساعة العسرة) . ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها [ ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام , ومن إمتاع الأسماع للمقريزي , ومن البداية والنهاية لابن كثير , ومن تفسير ابن كثير ] :

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 4 / ص 228)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 241)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت