فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 1664

لما نزل قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله , ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . . .) أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم [ ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريرًا للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن ] وذلك في زمن عسرة من الناس , وشدة من الحر , وجدب من البلاء , وحين طابت الثمار , والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم , ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه . وكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها , وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له [ أي يقصد إليه ] إلا ما كان من غزوة تبوك , فإنه بينها للناس , لبعد الشقة , وشدة الزمان , وكثرة العدو الذي يصمد له , ليتأهب الناس لذلك أهبته . فأمر الناس بالجهاز , وأخبرهم أنه يريد الروم

واستأذن بعض المنافقين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم ! فأذن ! وفي هذا نزل عتاب اللّه لنبيه في الإذن مصدرًا بالعفو عنه في اجتهاده:

(عفا اللّه عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ?) . .

وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض:لا تنفروا في الحر - زهادة في الجهاد , وشكًا في الحق , وإرجافًا برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأنزل اللّه تبارك وتعالى فيهم:

(وقالوا:لا تنفروا في الحر , قل:نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون , فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون) .

وبلغ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي , يثبطون الناس عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ; فبعث إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - طلحة ابن عبيد اللّه في نفر من أصحابه , وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم , ففعل طلحة , فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله , واقتحم أصحابه فأفلتوا . ثم تاب الضحاك .

ثم إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع . وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون ; فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند اللّه . وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين , عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها . . قال ابن هشام:فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار , فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض". وقال عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه -بإسناده - عن عبد الرحمن بن حباب السلمي , قال:خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فحث على جيش العسرة , فقال عثمان بن عفان:عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها . قال:ثم نزل مرقاة من المنبر , ثم حث , فقال عثمان:عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها . قال:فرأيت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول بيده هكذا يحركها [ وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب ] :"ما على عثمان ما عمل بعد هذا". . [ وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي , عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به . وقال:غريب من هذا الوجه ] . ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به , وقال:ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها . .

وأخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير , ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال:حث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على الصدقة [ يعني في غزوة تبوك ] فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف [ أي درهم ] , فقال يا رسول اللّه , ما لي ثمانية آلاف , جئتك بنصفها وأمسكت نصفها . فقال:"بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت". وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال:يا رسول اللّه أصبت صاعين من تمر , صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي . قال:فلمزه المنافقون , وقالوا:ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء . وقالوا ألم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا ?!

وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل [ وهو الذي بات يعمل عند يهودي ليحصل على صاعين أجرا له جاء بأحدهما لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ] إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه !

ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهم البكاءون . وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم , فاستحملوا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - [ أي طلبوا منه أن يحملهم على ركائب إلى أرض المعركة ] , وكانوا أهل حاجة . فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه) . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت