والمراد بهؤلاء الذين هاجروا من بعد ما فتنوا - كما يقول ابن كثير - جماعة كانوا مستضعفين بمكة ، مهانين في قومهم ، فوافقوهم على الفتنة ، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة ، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه ، وانتظموا في سلك المؤمنين ، وجاهدوا معهم الكافرين ، وصبروا . .
والمعنى: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ } - أيها الرسول الكريم - تكفل بالولاية والمغفرة لهؤلاء الذين هاجروا من دار الكفر إلى دار الإِسلام ، من بعد أن عذبهم المشركون لكى يرتدوا عن دينهم .
قال الآلوسى: وقرأ ابن عامر { مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } بالبناء للفاعل ، وهو ضمير المشركين عند غير واحد ، أى: عذبوا المؤمنين ، كالحضرمى ، أكره مولاه"جبرا"حتى ارتد ، ثم أسلما وهاجرا . . .
وقوله - تعالى -: { ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ } أى جاهدوا المشركين حتى تكون كلمة الله هى العليا ، وصبروا على البلاء والأذى طلبا لرضا الله - تعالى - .
والضمير في قوله: { من بعدها } يعود إلى ما سبق ذكره من الهجرة والفتنة والجهاد والصبر . أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - من بعد هذه الأفعال لكثير المغفرة والرحمة لهم ، جزاء هجرتهم وجهادهم وصبرهم على الأذى .
وقال الطاهر بن عاشور: (1)
[110] {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:110]
عطف على جملة {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} إلى قوله: {هُمُ الْخَاسِرُونَ} [النحل:106-109] .
و {ثُمَّ} للترتيب الرتبي، كما هو شأنها في عطفها الجمل. وذلك أن مضمون هذه الجملة المعطوفة أعظم رتبة من المعطوف عليها، إذ لا أعظم من رضى الله تعالى كما قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة:72] .
والمراد بـ"الذين هاجروا"المهاجرون إلى الحبشة الذين أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة للتخلص من أذى المشركين. ولا يستقيم معنى الهجرة إلا لهذه الهجرة إلى أرض الحبشة.
قال ابن إسحاق:"فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانة من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا بدينهم"اه.
فإن الله لما ذكر الذين آمنوا وصبروا على الأذى الذين اتقوا عذاب الفتنة بأن قالوا كلام الكفر بأفواههم ولكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان ذكر فريقا آخر فازوا بفرار من الفتن، لئلا يتوهم متوهم أن بعدهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الشدة يوهن جامعة المسلمين فاستوفي ذكر فرق المسلمين كلها. وقد أومأ إلى حظهم من الفضل بقوله: {هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} فسمى عملهم هجرة.
وهذا الاسم في مصطلح القرآن يدل على مفارقة الوطن لأجل المحافظة على الدين، كما حكي عن إبراهيم - عليه السلام - {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت:26] . وقال في الأنصار يحبون من هاجر إليهم، أي المؤمنين الذين فارقوا مكة.
وسمى ما لقوه من المشركين فتنة. والفتنة: العذاب والأذى الشديد المتكرر الذي لا يترك لمن يقع لمن يقع به صبرا ولا رأيا، قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذريات:13] ,وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج:10] . وتقدم بيانها عند قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} في سورة البقرة [191] . أي فقد نالهم الأذى في الله.
والمجاهدة: المقاومة بالجهد، أي الطاقة.
والمراد بالمجاهدة هنا دفاعهم المشركين عن أن يردوهم إلى الكفر.
وهاتان الآيتان مكيتان نازلتان قبل شرع الجهاد الذي هو بمعنى قتال الكفار لنصر الدين. والصبر: الثبات على تحمل المكروه والمشاق، وتقدم في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} في سورة البقرة: [45] .
وأكد الخبر بحرف التوكيد اللفظي لتحقيق الوعد، والاهتمام يدفع النقيصة عنهم في الفضل.
ويدل على ذلك ما في صحيح البخاري: أن أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم من أرض الحبشة، دخلت على حفصة فدخل عمر عليها فقال لها:سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت أسماء وقالت: كلا والله، كنتم مع النبي يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة ونحن كنا نؤذى ونخاف، وذلك في الله ورسوله، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بيت حفصة قالت: أسماء: يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا، قال:"فما قلت له?"قالت: قلت له كذا وكذا، قال:"ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان".
(1) - التحرير والتنوير - (ج 13 / ص 240)