فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 1664

الهجرة في سبيل الله تجرد من كل ما تهفو له النفس , ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه:الأهل والديار والوطن والذكريات , والمال وسائر أعراض الحياة . وإيثار العقيدة على هذا كله ابتغاء رضوان الله , وتطلعا إلى ما عنده وهو خير مما في الأرض جميعا .

والهجرة كانت قبل فتح مكة وقيام الدولة الإسلامية . أما بعد الفتح فلم تعد هجرة . ولكن جهاد وعمل - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن جاهد في سبيل الله وعمل كان له حكم الهجرة , وكان له ثوابها . .

(والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا) . . سواء لاقوا الله شهداء بالقتل , أو لاقوه على فراشهم بالموت . فلقد خرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيله مستعدين لكل مصير , واستروحوا الشهادة في هجرتهم عن أي طريق , وضحوا بكل عرض الحياة وتجردوا بهذا لله . فتكفل الله لهم بالعوض الكريم عما فقدوه: (ليرزقنهم الله رزقا حسنا , وإن الله لهو خير الرازقين) . . وهو رزق أكرم وأجزل من كل ما تركوا: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه) فقد خرجوا مخرجا يرضي الله , فتعهد لهم الله بأن يدخلهم مدخلا يرضونه . وإنه لمظهر لتكريم الله لهم بأن يتوخى ما يرضونه فيحققه لهم , وهم عباده , وهو خالقهم سبحانه . (وإن الله لعليم حليم) . . عليم بما وقع عليهم من ظلم وأذى , وبما يرضي نفوسهم ويعوضها . حليم يمهل . ثم يوفي الظالم والمظلوم الجزاء الأوفى .

فأما الذين يقع عليهم العدوان من البشر فقد لا يحلمون ولا يصبرون , فيردون العدوان , ويعاقبون بمثل ما وقع عليهم من الأذى . فإن لم يكف المعتدون , وعاودوا البغي على المظلومين تكفل الله عندئذ بنصر المظلومين على المعتدين:

(ذلك . ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله . إن الله لعفو غفور) وشرط هذا النصر أن يكون العقاب قصاصا على اعتداء لا عدوانا ولا تبطرا ; وألا يتجاوز العقاب مثل ما وقع من العدوان دون مغالاة .

ويعقب على رد الاعتداء بمثله بأن الله عفو غفور . فهو الذي يملك العفو والمغفرة . أما البشر فقد لا يعفون ولا يغفرون , وقد يؤثرون القصاص ورد العدوان . وهذا لهم بحكم بشريتهم ولهم النصر من الله .

وقال الألوسي (1) :

{ والذين هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الله } أي في الجهاد حسبما يلوح به قوله تعالى: { ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ } أي في تضاعيف المهاجرة . وقرأ ابن عامر { قاتلوا } بالتشديد ، ومحل الموصول الرفع على الابتداء ، وقوله تعالى: { لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله } جواب لقسم محذوف والجملة خبره على الأصح من جواز وقوع القسم وجوابه خبرًا ، ومن منع أضمر قولًا هو الخبر والجملة محكية به ، وقوله سبحانه: { رِزْقًا حَسَنًا } أما مفعول ثان ليرزق على أنه من باب النقض والذبح أي مرزوقًا حسنًا أو مصدر مبين للنوع ، والمراد به عند بعض ما يكون للشهداء في البرزخ من الرزق ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من مات مرابطًا أجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين » واقرؤا إن شئتم { والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا } إلى قوله تعالى { حليم } [ الحج: 58-59 ] وقد نص سبحانه في آية أخرى على أن الذين يقتلون في سبيل الله تعالى أحيا عند ربهم يرزقون وليس ذلك في تلك الآية إلا في البرزخ وقال آخرون: المراد به ما لا ينقطع أبدًا من نعيم الجنة . ورد بأن ذلك لا اختصاص له بمن هاجر في سبيل الله ثم قتل أو مات بل يكون للمؤمنين كلهم .

وتعقب بأن عدم الاختصاص ممنوع فإن تنكير { رِزْقًا } يجوز أن يكون للتنويع ويختص ذلك النوع بأولئك المهاجرين ، وقيل المراد تشريفهم وتبشيرهم بهذا الوعد الصادر ممن لا يخلف الميعاد المقترن بالتأكيد القسمي ويكفي ذلك في تفضيلهم على سائر المؤمنين كما في المبشرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وفيه نظر .

وقال الكلبي: هو الغنيمة ، وقال الأصم: هو العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام: { وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } [ هود: 88 ] ويرد عليهما أنه تعالى جعل هذا الرزق جزاء على قتلهم أو وتهم في تضاعيف المهاجرة في سبيل الله تعالى فلا يصح أن يكون في الدنيا ولعل قائل ذلك يقول: إنه في الآخرة وفيها تتفاوت مراتب العلم أيضًا

وظاهر الآية على ما قيل: استواء من قتل ومن مات مهاجرًا في سبيل الله تعالى في الرتبة وبه أخذ بعضهم .

وذكر أنه لما مات عثمان بن مظعون . وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه فنزلت الآية مسوية بينهم .

(1) - تفسير الألوسي - (ج 13 / ص 116)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت