فهرس الكتاب
وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان بموضع فمروا بجنازتين إحداهما قتيل والأخرى متوفى فمال الناس على القتيل في سبيل الله تعالى فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله تعالى فقال: { والذين هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ } الآية . ويؤذ ذلك بما روى عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم: « المقتول في سبيل الله تعالى والمتوفى في سبيل الله تعالى بغير قتل هما في الأجر شريكان » فإن ظاهر الشركة يشعر بالتسوية ، وظاهر القول بالتسوية أن المتوفى مهاجرًا في سبيل الله تعالى شهيدًا كالقتيل وبه صرح بعضهم ، وفي البحر أن التسوية في الوعد بالرزق الحسن لا تدل على تفضيل في المعطى ولا تسوية فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر ، وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل انتهى ، وما تقدم في سبيل النزول غير مجمع عليه ، فقد روى أن طوائف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك فنزلت ، واستدل بعضهم بهذا أيضًا على التسوية ، وقال مجاهد: نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة لهجرة فتبعهم المشركون وقاتلوهم ، وعلى هذا القول ليس المراد من المهاجرة في سبيله تعالى المهاجرة في الجهاد ، وأيًا ما كان فهذا ابتداء كلام غير داخل في حيز التفصيل . ويوهم ظاهر كلام بعضهم الدخول وأنه تعالى أفراد المهاجرين بالذكر مع دخولهم دخولًا أوليًا في { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [ الحج: 56 ] تفخيمًا لشأنهم وهو كما ترى ، { وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرزقين } فإنه جل وعلا يرزق بغير حساب مع أن ما يرزقه قد لا يقدر عليه أحد غيره سبحانه وأن غيره تعالى إنما يرزق مما رزقه هو جل شأنه .
واستدل بذلك على أنه قد يقال لغيره تعالى رازق والمراد به معطى ، والأولى عندي أن لا يطلق رازق على غيره تعالى وأن لا يتجاوز عما ورد .
وأما إسناد الفعل إلى غيره تعالى كرزق الأمير الجندي وأرزق فلانًا من كذا فهو أهون من إطلاق رازق ولعله مما لا بأس به ، وصرح الراغب بأن الرزاق لا يقال إلا لله تعالى ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله .
[ بم وقوله تعالى: { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ } استئناف مقرر لمضمون قوله سبحانه: { لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله } [ الحج: 58 ] أو بدل منه مقصود منه تأكيده . و { مُّدْخَلًا } إما اسم مكان أريد به الجنة كما قال السدي وغيره أو درجات فيها مخصوصة بأولئك المهاجرين كما قيل ، وقيل هو خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم لها سبعون ألف مصراع ، أو مصدر ميمي ، وهو على الاحتمال الأول مفعول ثان للإدخال وعلى الثاني مفعول مطلق ، ووصفه بيرضونه على الاحتمالين لما أنهم يرون إذا أدخلوا ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بسر ، وقيل على الثاني: إن رضاهم لما أن إدخالهم من غير مشقة تنالهم بل براحة واحترام .
وقرأ أهل المدينة { مُّدْخَلًا } بالفتح والباقون بالضم { وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ } بالذي يرضيهم فيعطيهم إياه أو لعليم بأحوالهم وأحوال أعدائهم الذين هاجروا لجهادهم { حَلِيمٌ } فلا يعاجل أعداءهم بالعقوبة ، وبهذا يظهر مناسبة هذا الوصف لما قبله وفيه أيضًا مناسبة لما بعد { ذلك } قد حقق أمره { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } أي من جازى الجاني بمثل ماجنى به عليه ، وتسمية ما وقع ابتداء عقابًا مع أن العقاب كما قال غير واحد جزاء الجناية لأنه يأتي عقبها وهو في الأصل شيء يأتي عقب شيء للمشاكلة أو لأن الابتداء لما كان سببًا للجزاء أطلق عليه مجازًا مرسلًا بعلاقة السببية ، وقال بعض المحققين: يجوز أن يقال: لا مشاكلة ولا مجاز بناء على أن العرف جار على إطلاقه على ما يعذب به وإن لم يكن جزاء جناية ، و { مِنْ } موصولة وجوز أن تكون شرطية سد جواب القسم الآتي مسد جوابها ، والجملة مستأنفة ، والباء في الموضعين قيل للسبب لا للآلة وإليه ذهب أبو البقاء ، وقال الخفاجي: باء { بِمَثَلٍ } آلية لا سببية لئلا يتكرر مع قوله تعالى: { بِهِ } والمنساق إلى ذهني القاصر كونها في الموضعين للآلة وفيما ذكره الخفاجي نظر فتأمل .
وقال الرازي (1) :
(1) - تفسير الرازي - (ج 11 / ص 142)