فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 1664

وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية , التي تطهرت بنور الله . أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه , والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه . فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو ; وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي:

(ألا تحبون أن يغفر الله لكم ?) حتى يرتفع على الآلام , ويرتفع على مشاعر الإنسان , ويرتفع على منطق البيئة . وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور الله . فإذا هو يلبي داعي الله في طمأنينة وصدق يقول:بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي . ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه , ويحلف:

والله لا أنزعها منه أبدا . ذلك في مقابل ما حلف:

والله لا أنفعه بنافعة أبدا .

بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير , ويغسله من أوضار المعركة , ليبقى أبدا نظيفا طاهرا زكيا مشرقا بالنور . .

وقال الألوسي (1) :

{ وَلاَ يَأْتَلِ } أي لا يحلف افتعال من الألية .

وقال أبو عبيدة . واختاره أبو مسلم: أي لا يقصر من الألو بوزن الدلو والألو بوزن العتو ، قيل: والأول أوفق بسبب النزول وذلك أنه صح عن عائشة وغيرها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حلف لما رأى براءة ابنته أن لا ينفق على مسطح شيئًا أبدًا وكان من فقراء المهاجرين الأولين الذين شهدوا بدرًا وكان ابن خالته ، وقيل: ابن أخته رضي الله تعالى عنه فنزلت { وَلاَ يَأْتَلِ } الخ وهذا هو المشهور .

وعن محمد بن سيرين أن أبا بكر حلف لا ينفق على رجلين كانا يتيمين في حجره حيث خاضا في أمر عائشة أحدهما مسطح فنزلت ، وعن ابن عباس ، والضحاك أنه قطع جماعة من المؤمنين منهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه منافعهم عمن قال في الإفك وقالوا: والله لا نصل من تكلم فيه فنزلت ، وقرأ عبد الله بن عباس بن ربيعة . وأبو جعفر مولاه وزيد بن أسلم { *يتال } مضارع تالى بمعنى حلف ، قال الشاعر

: تالى ابن أوس حلفة ليردني ... إلى نسوة لي كأنهن مقائد

وهذه القراءة تؤيد المعنى الأول ليأتل { يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } أي الزيادة في الدين { والسعة } أي في المال { أَن يُؤْتُواْ } أي على أن لا يؤتوا أو كراهة أن يؤتوا أو لا يقصروا في أن يؤتوا .

وقرأ أبو حيوة . وابن قطيب . وأبو البرهسم { تُؤْتُواْ } بتاء الخطاب على الالتفات .

{ أُوْلِى القربى والمساكين والمهاجرين * فِى سَبِيلِ الله } صفات لموصوف واحد بناء على ما علمت من أن الآية نزلت على الصحيح بسبب حلف أبي بكمر أن لا ينفق على مسطح وهو متصف كمما سمعت بها فالعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الموصوفات ، والجمع وإن كان السبب خاصًا لقصد العموم وعدم الاكتفاء بصفة للمبالغة في إثبات استحقاق مسطح ونحوه الايتاء فإن من اتصف بواحدة من هذه الصفات إذا استحقه فمن جمعها بالطريق الأولى ، وقيل: هي لموصوفات أقيمت هي مقامها وحذف المفعول الثاني لغاية ظهوره أي أن يؤتوهم شيئًا { وَلْيَعْفُواْ } ما فرط منهم { وَلْيَصْفَحُواْ } بالإغضاء عنه ، وقرأ عبد الله . والحسن . وسفيان بن الحسين . وأسماء بنت يزيد { *ولتعفوا ولتصفحوا } بتاء الخطاب على وفق قوله تعالى:

(1) - تفسير الألوسي - (ج 13 / ص 383)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت