فهرس الكتاب
{ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ } أي بمقابلة عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته سبحانه على المؤاخذة وكثرة ذنوب العباد الداعية إليها ، وفيه ترغيب عظيم في العفو ووعد كريم بمقابلته كأنه قيل: ألا تحبون أن يغفر الله لكم فهذا من موجباته ، وصح أن أبا بكر لما سمع الآية قال: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وأعاد له نفقته ، وفي رواية أنه صار يعطيه ضعفي ما كان يعطيه أولًا ، ونزلت هذه الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بعد أن أقبل مسطح إلى أبي بكر معتذرًا فقال . جعلني الله تعالى فداك والله الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ما قذفتها وما تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال فقال أبو بكر . ولكن قد ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها فقال مسطح . لعله يكون قد كان بعض ذلك ، وفي الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها . واستدل بها على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه داخل في أولي الفضل قطعًا لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول ، ولا يضر في ذلك عموم الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر ، ولا حاجة إلى دعوى أنها فيها خاصة والجمع للتعظيم ، وكونه مخصوصًا بضمير المتكلم مردود على أن فيها من ارتكاب خلاف الظاهر ما فيها ، وأجاب الرافضة بأن المراد بالفضل الزيادة في المال ، ويرد عليه أنه حينئذ يتكرر مع قوله سبحانه { والسعة } وادعى الإمام أنها تدل على أن الصديق رضي الله تعالى عنه أفضل جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبين ذلك بما هو بعيد عن فضله ، وذكر أيضًا دلالتها على وجوه من مدحه رضي الله تعالى عنه وأكثرها للبحث فيها مجال ، واستدل بها على أن ما لا يكون ردة من المعاصي لا يحبط العمل وإلا لما سمى الله تعالى مسطحًا مهاجرًا مع أنه صدر منه ما صدر ، وعلى أن الحلف على ترك الطاعة غير جائز لأنه تعالى نهى عنه بقوله سبحانه: { لا * يَأْتَلِ } ومعناه على ما يقتضيه سبب النزول لا يحلف ، وظاهر هذا حمل النهي على التحريم ، وقيل: هو للكراهة ، وقيل: الحق أن الحلف على ترك الطاعة قد يكون حرامًا ، وقد يكون مكروهًا ، فالنهي هنا لطلب الترك مطلقًا وفيه بحث .
وذكر جمهور الفقهاء أنه إذا حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ، وقال بعضهم: إذا حلف فليأت الذي هو خير وذلك كفارته كما جاء في حديث آخر .
وتعقب بأن المراد من الكفارة في ذلك الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي بإحدى الخصال .
وقال الرازي (1) :
اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره ، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبدًا ، قال المفسرون: نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر ، وقد كان يتيمًا في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته ، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن عليَّ أحد منكم ، فقال مسطح أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد ، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب ، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت! فقال قد كان ذلك تعجبًا من قول حسان فلم يقبل عذره ، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرًا ولا فرجًا ، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأن الله تعالى قد أنزل علي كتابًا ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية عليه فلما وصل إلى قوله: { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ } قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي ، وقد تجاوزت عما كان ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين ، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم ، أما إذا عفا عنكم فمرحبًا بكم ، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم ، وههنا مسائل:
(1) - تفسير الرازي - (ج 11 / ص 284)