فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 1664

الثالثة: قوله تعالى: { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } أحلّ الله تعالى السراري لنبيّه صلى الله عليه وسلم ولأمّته مطلقًا ، وأحل الأزواج لنبيّه عليه الصلاة والسلام مطلقًا ، وأحلّه للخلق بعدَدٍ . وقوله: { مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ } أي ردّه عليك من الكفار . والغنيمة قد تسمى فيئًا؛ أي مما أفاء الله عليك من النساء بالمأخوذ على وجه القهر والغلبة .

الرابعة: قوله تعالى: { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ } أي أحللنا لك ذلك زائدًا من الأزواج اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ، على قول الجمهور؛ لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجتَ وآتيت أجرها ، لما قال بعد ذلك: «وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ» لأن ذلك داخل فيما تقدّم .

قلت: وهذا لا يلزم ، وإنما خصّ هؤلاء بالذكر تشريفًا؛ كما قال تعالى: { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } [ الرحمن: 68 ] . والله أعلم .

الخامسة: قوله تعالى: { اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ } فيه قولان: الأوّل: لا يحلّ لك من قرابتك كبنات عمك العباس وغيره من أولاد عبد المطلب ، وبنات أولاد بنات عبد المطلب ، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زُهْرة إلا من أسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجِر من هجر ما نهى الله تعالى عنه"الثاني: لا يحلّ لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة؛ لقوله تعالى: { والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ } [ الأنفال: 72 ] ومن لم يهاجر لم يَكْمُل ، ومَن لم يكمل لم يصلح للنبيّ صلى الله عليه وسلم الذي كَمُل وشَرُف وعَظُم ، صلى الله عليه وسلم .

السادسة: قوله تعالى: { مَعَكَ } المَعِيّة هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها؛ فمن هاجر حلّ له ، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن . يقال: دخل فلان معي وخرج معي؛ أي كان عمله كعملي وإن لم يقترن فيه عَمَلُكما . ولو قلت: خرجنا معًا لاقتضى ذلك المعنيين جميعًا: الاشتراك في الفعل ، والاقتران ( فيه ) .

السابعة: ذكر الله تبارك وتعالى العمّ فَرْدًا والعمّات جمعًا . وكذلك قال: «خَالِكَ» ، «وَخَالاَتِكَ» والحكمة في ذلك: أن العمّ والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز؛ وليس كذلك العمة والخالة . وهذا عُرْف لغويّ ، فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال ، وهذا دقيق فتأملوه؛ قاله ابن العربي .

الثامنة: قوله تعالى: { وامرأة مُّؤْمِنَةً } عطف على «أَحْلَلْنَا» . المعنى وأحللنا لك امرأة تَهَب نفسها من غير صداق . وقد اختلف في هذا المعنى؛ فروي عن ابن عباس أنه قال؛ لم تكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو مِلك يمين .

فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد . وقال قوم: كانت عنده موهوبة .

قلت: والذي في الصحيحين يقوّي هذا القول ويَعْضُدُه؛ روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وَهَبْنَ أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أما تستحيي امرأة تَهَب نفسها لرجل! حتى أنزل الله تعالى: { تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ } فقلت: والله ما أرى رَبَّكَ إلا يسارع في هواك . وروى البخاريّ عن عائشة أنها قالت: كانت خَوْلة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فدلّ هذا على أنهن كنّ غير واحدة . والله تعالى أعلم . الزَّمَخْشَرِيّ: وقيل الموهبات أربع: ميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية ، وأم شريك بنت جابر ، وخَوْلة بنت حكيم .

قلت: وفي بعض هذا اختلاف . قال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث . وقال الشعبيّ: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار . وقال عليّ بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر الأسدية . وقال عروة ابن الزبير: أم حكيم بنت الأوقص السلمية .

التاسعة: وقد اختلف في اسم الواهبة نفسها؛ فقيل هي أم شريك الأنصارية ، اسمها غُزِيّة . وقيل غُزَيلة . وقيل ليلى بنت حكيم . وقيل: هي ميمونة بنت الحارث حين خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فجاءها الخاطب وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل: هي أم شريك العامرية ، وكانت عند أبي العكر الأزدي . وقيل: عند الطُّفيل بن الحارث فولدت له شريكًا . وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجها؛ ولم يثبت ذلك . والله تعالى أعلم؛ ذكره أبو عمر بن عبد البر . وقال الشعبيّ وعروة: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين . والله تعالى أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت