فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 1664

العاشرة: قرأ جمهور الناس «إِنْ وَهَبَتْ» بكسر الألف ، وهذا يقتضي استئناف الأمر؛ أي إن وقع فهو حلال له . وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة؛ وقد دللنا على خلافه . وروى الأئمة من طريق سهل وغيره في الصحاح: أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت أهب لك نفسي ، فسكت حتى قام رجل فقال: زوجْنيها إن لم يكن لك بها حاجة . فلو كانت هذه الهبة غير جائزة لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لا يقرّ على الباطل إذا سمعه؛ غير أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظرًا بيانًا؛ فنزلت الآية بالتحليل والتخيير ، فاختار تركها وزوّجها من غيره . ويحتمل أن يكون سكت ناظرًا في ذلك حتى قام الرجل لها طالبًا . وقرأ الحسن البصريّ وأُبَيّ بن كعب والشعبيّ «أنْ» بفتح الألف . وقرأ الأعمش «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ» . قال النحاس: وكسر «إنْ» أجمع للمعاني؛ لأنه قيل إنهن نساء . وإذا فتح كان المعنى على واحدة بعينها؛ لأن الفتح على البدل من امرأة ، أو بمعنى لأن .

الحادية عشرة: قوله تعالى: { مُّؤْمِنَةً } يدلّ على أن الكافرة لا تحلّ له . قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرّة الكافرة عليه . قال ابن العربيّ: والصحيح عندي تحريمها عليه . وبهذا يتميز علينا؛ فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر ، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر؛ فجوّز لنا نكاح الحرائر الكتابيات ، وقصر هو صلى الله عليه وسلم لجلالته على المؤمنات . وإذا كان لا يحلّ له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة فأحْرَى ألاّ تحل له الكافرة الكتابية لنقصان الكفر .

الثانية عشرة: قوله تعالى: { إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا } دليل على أن النكاح عقد معاوضة على صفات مخصوصة ، قد تقدمت في «النساء» وغيرها . وقال الزجاج: معنى: «إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ» حلّت . وقرأ الحسن: «أن وهبت» بفتح الهمزة . و «أن» في موضع نصب . قال الزجاج: أي لأن . وقال غيره: «أن وهبت» بدل اشتمال من «امرأة» .

الثالثة عشرة: قوله تعالى: { إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا } أي إذا وهبت المرأة نفسها وقبلها النبيّ صلى الله عليه وسلم حلت له ، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك . كما إذا وهبت لرجل شيئًا فلا يجب عليه القبول؛ بَيْد أن من مكارم أخلاق نبيّنا أن يقبل من الواهب هبته . ويرى الأكارم أن ردّها هُجْنة في العادة ، ووصمة على الواهب وأَذِيّة لقلبه؛ فبيّن الله ذلك في حق رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله قرآنا يتلى؛ ليرفع عنه الحرج ، ويبطل بُطْل الناس في عادتهم وقولهم .

الرابعة عشرة: قوله تعالى: { خَالِصَةً لَّكَ } أي هبة النساء أنفسهن خالصة ومزية لا تجوز؛ فلا يجوز أن تَهَب المرأة نفسها لرجل . ووجه الخاصيّة أنها لو طلبت فرض المهر قبل الدخول لم يكن لها ذلك . فأما فيما بيننا فللمفوّضة طلب المهر قبل الدخول ، ومهر المثل بعد الدخول .

الخامسة عشرة: أجمع العلماء على أن هبة المرأة نفسها غير جائز ، وأن هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح؛ إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه فإنهم قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز . قال ابن عطية: فليس في قولهم إلا تجويز العبارة ولفظة الهبة ، وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح بعينه ، وقد تقدمت هذه المسألة في «القصص» مستوفاة . والحمد لله .

السادسة عشرة: خصّ الله تعالى رسوله في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل مزيّةً على الأمة وهبت له ، ومرتبة خصّ بها؛ ففرِضت عليه أشياء ما فرضت على غيره ، وحَرُمت عليه أفعال لم تحرم عليهم ، وحللت له أشياء لم تحلل لهم؛ منها متفَق عليه ومختلف فيه .

فأما ما فُرض عليه فتسعة: الأوّل: التهجد بالليل؛ يقال: إن قيام الليل كان واجِبًا عليه إلى أن مات؛ لقوله تعالى: { ياأيها المزمل قُمِ الليل } [ المزمل: 1 2 ] الآية . والمنصوص أنه كان واجبًا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: { وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } [ الإسراء: 79 ] وسيأتي . الثاني: الضُّحَا . الثالث: الأَضْحى . الرابع: الوتر؛ وهو يدخل في قسم التهجُّد . الخامس: السواك . السادس: قضاء دين من مات معسِرا . السابع: مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع . الثامن: تخيير النساء . التاسع: إذا عمل عملًا أثبته . زاد غيره: وكان يجب عليه إذا رأى منكرًا أنكره وأظهره ، لأن إقراره لغيره على ذلك يدلّ على جوازه ، ذكره صاحب البيان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت