فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 1664

التاسعة عشرة: قوله تعالى: { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } أي ضيق في أمر أنت فيه محتاج إلى السّعة ، أي بيّنا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح «لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» ف «لكيلا» متعلق بقوله: { إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ } أي فلا يضيق قلبك حتى يظهر منك أنك قد أثمت عند ربّك في شيء . ثم آنس تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته فقال تعالى: { وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا } .

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله (1) :

يقول تعالى مخاطبا نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مُهُورَهُنَّ، وهي الأجور هاهنا. كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مَهْرُه لنسائه اثنتي (5) عشرة أوقية ونَشّا وهو نصف (6) أوقية، فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي، رحمه الله، أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حُيَيّ فإنه اصطفاها من سَبْي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جُوَيرية بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عن جميعهن (7) .

وقوله: { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ } أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم (1) ، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم، عليه السلام، وكانتا من السراري، رضي الله عنهما.

وقوله: { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } : هذا عدل وَسط بين الإفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم (2) ما فَرّطت (3) فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا بشع (4) فظيع.

وإنما قال: { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ } فَوَحَّدَ لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإناث لنقصهن كقوله: { عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ } [النحل:48] ، { يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [البقرة: 257] ، { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } [الأنعام: 1] ، وله نظائر كثيرة.

وقوله: { اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } قال ابن أبي حاتم، رحمه الله:

حدثنا محمد بن عمار بن (5) الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله (6) بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح (7) ، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذري، ثم أنزل الله: { إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ } إلى قوله: { اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء. ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن عبيد الله بن موسى، به (8) .

ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عنها بنحوه.

ورواه الترمذي في جامعه (9) . وهكذا قال أبو رَزين وقتادة: إن المراد: من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: { اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } أي: أسلمن. وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود:"واللاتي هَاجَرْنَ مَعَك".

وقوله: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } أي: ويحل لك -يأيها النبي -المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان، كقوله تعالى إخبارًا عن نوح، عليه السلام، أنه قال لقومه: { وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } [هود: 34] ، وكقول موسى: { يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [يونس: 84] .

(1) في أ:"الغنائم".

(2) في أ:"وحرم".

(3) في ت:"ما حرموا".

(4) في ف، أ:"شنيع".

(5) في أ:"و".

(6) في أ:"عبد الله".

(7) في ت:"روى ابن أبي حاتم بإسناده".

(8) تفسير الطبري (22/15) .

(9) سنن الترمذي برقم (3214) وقال:"هذا حديث حسن صحيح لا أعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي".

وقال هاهنا: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } وقد قال الإمام أحمد (1) :

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 441)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت