فهرس الكتاب
وقال (1) البخاري: حدثنا حبّان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك -أخبرنا عاصم الأحول، عن مُعَاذة (2) عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ } ، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدا (3) .
فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من (4) ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم. وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث؛ ولهذا قال تعالى: { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك (5) الحَرَج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك (6) عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن.
وقوله: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، كما قال (7) الإمام أحمد:
حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:"اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
(1) في ت:"وروى".
(2) في أ:"معاذ".
(3) صحيح البخاري برقم (4789) .
(4) في أ:"في".
(5) في أ:"عليك".
(6) في أ:"بأمانتك".
(7) في ت:"كما روى".
ورواه أهل السنن الأربعة، من حديث حماد بن سلمة - (1) وزاد أبو داود بعد قوله: فلا تلمني (2) فيما تملك ولا أملك: يعني القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات. ولهذا عقب ذلك بقوله: { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا } أي: بضمائر السرائر، { حَلِيمًا } أي: يحلم ويغفر.
وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله (1) :
بعد ذلك يبين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يحل له من النساء , وما في ذلك من خصوصية لشخصه ولأهل بيته , بعدما نزلت آية سورة النساء التي تجعل الحد الأقصى للأزواج أربعا: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) . .
وكان في عصمة النبي في هذا الوقت تسع نساء , تزوج بكل منهن لمعنى خاص . عائشة وحفصة ابنتا صاحبيه أبي بكر وعمر . وأم حبيبة بنت أبي سفيان , وأم سلمة , وسودة بنت زمعة , وزينب بنت خزيمة من المهاجرات اللواتي فقدن أزواجهن وأراد النبي صلى الله عليه وسلم تكريمهن , ولم يكن ذوات جمال ولا شباب , إنما كان معنى التكريم لهن خالصا في هذا الزواج . وزينب بنت جحش وقد علمنا قصة زواجها , وقد كان هناك تعويض لها كذلك عن طلاقها من زيد الذي زوجها رسول الله منه فلم تفلح الزيجة لأمر قضاه الله تعالى , وعرفناه في قصتها . ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق , وصفية بنت حيي بن أخطب . وكانتا من السبي فأعتقهما رسول الله وتزوج بهما الواحدة تلو الأخرى , توثيقا لعلاقته بالقبائل , وتكريما لهما , وقد أسلمتا بعدما نزل بأهلهما من الشدة .
وكن قد أصبحن (أمهات المؤمنين) ونلن شرف القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم واخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد نزول آيتي التخيير . فكان صعبا على نفوسهن أن يفارقهن رسول الله بعد تحديد عدد النساء . وقد نظر الله إليهن , فاستثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك القيد , وأحل له استبقاء نسائه جميعا في عصمته , وجعلهن كلهن حلا له , ثم نزل القرآن بعد ذلك بألا يزيد عليهن أحدا , ولا يستبدل بواحدة منهن أخرى . فإنما هذه الميزة لهؤلاء اللواتي ارتبطن به وحدهن , كي لا يحرمن شرف النسبة إليه , بعدما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة . . وحول هذه المبادئ تدور هذه الآيات:
يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن , وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك , وبنات عمك وبنات عماتك , وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك , وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها , خالصة لك من دون المؤمنين , قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم , لكي لا يكون عليك حرج , وكان الله غفورا رحيما . ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء , ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك . ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن , والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما . لا يحل لك النساء من بعد , ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن - إلا ما ملكت يمينك - وكان الله على كل شيء رقيبا . .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 387)