فهرس الكتاب
الثامنة الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية ، ورغبة في الحظوظ الدينية . وذلك ينشأ عن قوة اليقين ، وتوكيد المحبة ، والصبر على المشقة . يقال: آثرته بكذا؛ أي خصصته به وفضّلته . ومفعول الإيثار محذوف؛ أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها؛ حسب ما تقدم بيانه . وفي موطأ مالك: «أنه بلغه عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، أن مسكينًا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف؛ فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه؛ فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه . قالت: ففعلت . قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يُهدى لنا: شاةً وكفنها . فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا ، فهذا خير من قرصك . قال علماؤنا: هذا من المال الرابح ، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجّل منه ما يشاء ، ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه . ومن ترك شيئًا لله لم يجد فَقْدَه . وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة ، وأن من فعل ذلك فقد وقى شُحّ نفسه وأفلح فلاحًا لا خسارة بعده . ومعنى ( شاة وكَفَنَها ) فإن العرب أو بعض العرب أو بعض وجوههم كان هذا من طعامهم ، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غَطّوه كله بعجين البُرِّ وكفنوه به ثم علقوه في التنور ، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن؛ وذلك من طيب الطعام عندهم . وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنبًا ، فاشترى له عنقود بدرهم ، فجاء مسكين فسأل؛ فقال: أعطوه إياه؛ فخالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إلى ابن عمر ، فجاء المسكين فسأل؛ فقال: أعطوه إياه؛ ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إليه؛ فأراد السائل أن يرجع فمنع . ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه؛ لأن ما خرج لله لا يعود فيه . وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن مطرّف قال: حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار ، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عُبيدة بن الجرّاح ، ثم تَلَكَّأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها .
فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك؛ فقال: وَصَلَه الله ورَحمه ، ثم قال: تعالي يا جارية ، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان؛ حتى أنفذها . فرجع الغلام إلى عمر ، فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل؛ وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل؛ وتَلَكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع ، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال: رحمه الله ووَصَله ، وقال: يا جارية ، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا ، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن! والله مساكين فأعطنا . ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها . فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسُرّ بذلك عمر وقال: إنهم إخوة! بعضهم من بعض . ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إياها ، وكان عشرة آلاف وكان المُنْكَدِر دخل عليها . فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء ، قيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر ، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه . فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم ، فلم يكونوا بهذه الصفة ، بل كانوا كما قال الله تعالى: { والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس } [ البقرة: 177 ] . وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك . والإمساك لمن لا يصبر .
ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار . وروي أنّ رجلًا"جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال: هذه صدقة ، فرماه بها وقال: «يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدّق به ثم يقعد يتكفف الناس» "والله أعلم .
التاسعة: والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس . ومن الأمثال السائرة:
والجُودُ بالنَّفْس أقصَى غاية الجُودِ ... ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حدّ المحبة: أنها الإيثار ، ألا ترى أن امرأة العزيز لمّا تناهت في حُبّها ليوسف عليه السلام ، آثرته على نفسها فقالت: أنا راودته عن نفسه . وأفضل الجود بالنفس الجودُ على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي الصحيح: أن أبا طَلْحة ترَسّ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد ، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتطلّع ليرى القوم . فيقول له أبو طلحة: لا تُشرِف يا رسول الله! لا يصيبونك! نَحْرِي دون نحرك! ووَقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشُلّت .