فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 1664

وقال حُذيفة العدوِيّ: انطلقت يوم اليَرْمُوك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رَمقٌ سقيته ، فإذا أنا به ، فقلت له: أسقيك ، فأشار برأسه أنْ نَعم ، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إليَّ ابن عمي أن انطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم . فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات . فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات . فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو مات . وقال أبو يزيد البِسْطَامِيّ: ما غَلَبني أحدٌ ما غلبني شابٌّ من أهل بَلْخ! قدِم علينا حاجًا فقال لي: يا أبا يزيد ، ما حَدُّ الزهد عندكم؟ فقلت: إنْ وَجَدْنا أكلنا . وإن فقدنا صبرنا . فقال: هكذا كلاب بَلْخ عندنا . فقلت: وما حَدّ الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا ، وإن وجدنا آثرنا . وسُئل ذو النُّون المصري: ما حَدُّ الزاهد المنشرح صدره؟ قال ثلاث: تفريق المجموع ، وترك طلب المفقود ، والإيثار عند القوت . وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيّف وثلاثون رجلًا بقرية من قُرَى الرَّيّ ، ومعهم أرغفة معدودة لا تُشبع جميعهم ، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام؛ فلما رُفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئًا؛ إيثارًا لصاحبه على نفسه .

العاشرة: قوله تعالى: { وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } الخصاصة: الحاجة التي تختلّ بها الحال . وأصلها من الاختصاص وهو انفراد بالأمر . فالخصاصة الإنفراد بالحاجة؛ أي ولو كان بهم فاقة وحاجة . ومنه قول الشاعر:

أمّا الربيع إذا تكون خصاصةٌ ... عاش السقيم به وأَثْرَى الْمُقْترُ

الحادية عشرة قوله تعالى: { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون } الشُّحّ والبُخْلُ سواء؛ يقال: رجل شحيح بَيّن الشُّحّ والشَّح والشّحاحة . قال عمرو بن كلثوم:

ترى اللَّحِزَ الشّحيحَ إذا أُمِرّتْ ... عليه لِمالِه فيها مُهِينا

وجعل بعض أهل اللغة الشُّحّ أشدّ من البخل . وفي الصحاح: الشّحُّ البخلُ مع حِرص؛ تقول: شَحِحت ( بالكسر ) تَشَحّ . وشَحَحْتَ أيضًا تَشُحّ وتَشِحّ . ورجل شحيح ، وقومٌ شِحاح وأشِحّة . والمراد بالآية: الشّحُّ بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة ، وما شاكل ذلك . فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه . ومن وَسّع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يُوقَ شُحَّ نفسه . وروى الأسْودُ عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله عز وجل يقول: { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون } وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أُخرج من يدي شيئًا . فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشُّح الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، إنما الشّح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا ، ولكنّ ذلك البخل ، وبئس الشَّيء البخل . ففرّق رضي الله عنه بين الشح والبخل . وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده ، والشّح أن يَشِح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحِلّ والحرام ، لا يقنع . ابن جبير: الشح منع الزكاة وادّخار الحرام . ابن عُيَيْنَة: الشح الظلم . الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم . ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل بالإيمان فذلك الشحيح . ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا ( لشيء ) نهاه الله عنه ، ولم يَدْعُه الشح ( على أن يمنع شيئًا من شيء ) أمره الله به ، فقد وقاه الله شح نفسه . وقال أنس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"بَرِىء من الشّح من أدّى الزكاة وقَرَى الضيف وأعطى في النائبة"وعنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو"اللهم إني أعوذ بك من شُحّ نفسي وإسرافها ووساوسها"وقال أبو الهَيّاج الأسدي: رأيت رجلا في الطّواف يدعو: اللهم قِني شُحَّ نفسي . لا يزيد على ذلك شيئًا ، فقلت له؟ فقال: إذا وقيت شُحّ نفسي لم أسرق ولم أزْنِ ولم أفعل . فإذا الرجل عبد الرحمن بن عَوْف .

قلت: يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشّح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سَفَكوا دماءهم واستحلُّوا محارمهم"وقد بيناه في آخر «آل عمران» . وقال كِسرى لأصحابه: أي شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر . فقال كِسرى: الشح أضرّ من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع ، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدًا .

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله (1) :

قول تعالى مبينًا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه { وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } أي: هؤلاء الذين صَدَقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين.

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 68)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت