فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 1664

أي أن الأنصار عرفوا ذلك للمهاجرين ، وعليه أيضًا ، فقد استوى المهاجرون مع الأنصار في هذا الوصف المثالي الكريم ، وكان خلقًا لكثيرين منهم بعد الهجرة كما فعل الصديق رضي الله عنه حين تصدق بكل ماله فقال له ، رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أبقيت لأهلك » ؟ فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ورسوله . وكذلك عائشة الصديقة رضي الله عنها . حينما كانت صائمة وليس عندها سوى قرص من الشعير وجاء سائل فقالت لبريرة: ادفعي إليه ما عندك ، فقالت: لها: ليس إلا ما ستفطرين عليه ، فقالت لها: ادفعيه إليه ، ولعلها أحوج إيله الآن ، أو كما قالت .

ولما جاء المغرب أهدى إليهم رجل شاة بقرامها - وقرامها هو ما كانت العرب تفعله إذا أرادوا شواء شاة طلوها من الخارج بالعجين حفظًا لها من رماد الجمر - فقالت لبريرة: كلي ، هذا خير من قرصك .

وكما فعل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تصدق بالعير وما تحمله من تجارة حين قدمت ، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فخرج الناس إليها .

فعلى هذا ، كان مجتمع المدينة في عهده صلى الله عليه وسلم مجتمعاص متكافلًا بعضهم أولياء بعض ، وقد نوَّه صلى الله عليه وسلم في صة غنائم حنين بفضل كلا الفريقين في قوله صلى الله عليه وسلم: « لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار »

ومن بعده عمر رضي الله عنه قال: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم . وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوأوا الدار والإيمان ، من قبل أن يقبل من محسنهم ، وأن يعفو عن مسيئهم .

ثم كان هذا خلق المهاجرين والأنصار جميعًا ، كما وقع في وقعة اليرموك ، قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ، ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به فقلت له: أسقيك؟ فأشار ربأسه أن نعم ، فإذا أنا برجل يقول: آه آه ، فأشار إلي ابن عمي أن أنطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فقلت أسقيك؟ فأشار أن نعم ، فسمع آخر يقول آه آه . فأشار هشام أن أنطلق إليه فجئته ، فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى هشام ، فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات .

وكان منهج الخواص من بعدهم ، كما نقل القرطبي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ ، قدم علينا حاجًا فقال لي: ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا أكلنان ، وإن فقدنا صبرنا ، فقال: هكذا كلاب بلخ عندنا . فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا وإن وجدنا آثرنا .

وفي قوله: { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الحشر: 9 ] . الإيثار على النفس: تقديم الغير عليها مع الحاجة ، والخصاصة: التي تختل بها الحال ، وأصلها من الاختصاص ، وهو الانفراد في الأمر .

فالخصاصةالأنفراد بالحاجة أي ولو كان بهم فاقة وحاجة . ومنه قول الشاعر:

أما الربيع إذا تكون خصاصة ... عاش السقيم به وأثرى المقتر

وهل يصح الإيثار من كل إنسان ول كان ذا عيال أو تلزمه نفقة غيره أم لا؟ وما علاقته مع قوله { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } [ البقرة: 213 ] ؟

والجواب على هذا كله في كلام الشيخ رحمه الله على قوله تعالى: { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ البقرة: 3 ] في أول سورة البقرة .

قال رحمه الله: قوله تعالى: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ، عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله ، ولم يبين هنا القدر الَّذي ينبغي إنفاقه ، والذي ينبغي إمساكه ، ولكنه بين في مواضع أخرى أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة ، وسد الخلَّة التي لا بد منها ، وذلك كقوله: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } ، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات ، وهو مذهب الجمهور ومنه قوله تعالى: { حتى عَفَوْاْ } [ الأعراف: 196 ] أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم .

وقال بعض العلماء: العفو نقيض الجهد ، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع .

ومنه قول الشاعر:

خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا ، وبقية الأقوال ضعيفة ، وقوله تعالى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء: 29 ] فنهاه عن البخل بقوله: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِك } ، ونهاه عن الإسراف بقوله: { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } ، فيتعين الوسط بين الأمرين ، كما بينه بقوله: { والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [ الفرقان: 67 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت