فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 1664

فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير وبين البخل والإقتار ، فالجود غير التبذير ، والاقتصاد غير البخل فالمنع في محل الإعطاء مذموم ، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ } [ الإسراء: 29 ] ، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضًا ، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء: 29 ] .

وقد قال الشاعر:

لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت يداه كالمزن حتى تخجل الديما ... فإنها خطرات من وساوسه

يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرما ... وقد بين تعالى في مواضع أخرى ، أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك إلا إذا كان مصرفه الذي صرف منه مما يرضي الله كقوله تعالى: { قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ والأقربين } [ البقرة: 215 ] الآية ، وصرح في أن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: { فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } [ الأنفال: 36 ] .

وقد قال الشاعر:

إن الصنيعة لا تعد صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع

فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد عن الحاجة الضرورية ، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا ، وذلك في قوله: { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون } [ الحشر: 9 ] .

فالظاهر في الجواب والله تعالى أعلم: هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالًا ، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعًا ، وذلك كما إذا كانت على المنفق واجبة كنفقة الزوجات ونحوها ، فتبرع بالإنفاق في غير واجب ، وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم: « وابدأ بمن تعول » ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم ، فلا يجوز له ذلك؟ والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة ، وكان واثقًا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال .

وأما على القول بأن قوله تعالى: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ } [ البقرة: 3 ] يعني به الزكاة ، فالأمر واضح ، والعلم عند الله تعالى . انتهى منه .

والواقع أن للإنفاق في القرآن مراتب ثلاثة:

الأولى: الإنفاق من بعض الماء بصفة عامة ، كما في قوله تعالى: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } .

الثانية: الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه ، كما في قوله تعالى { وَآتَى المال على حُبِّهِ } [ البقرة: 177 ] ، وهذا أخص من الأول ، وقوله: { وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } [ الإنسان: 8 ] الآية .

الثالثة: الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الحشر: 9 ] فهي أخص من الخاص الأول .

وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب ، حتى قيل: إن المراد بها الزكاة . وهي تشمل النافلة ، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة ، وتدخل في قوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } [ الزلزلة: 7 ] وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى ، لأنها إيثار للغير على خاصة النفس ، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما ، وهي الحد الوسط بين الاكتفاء بأقل الواجب ، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة الناس ، كما بينه تعالى بقوله: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء: 29 ] . وكما امتجح الله تعالى قومًا بالاعتدال في قوله: { والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [ الفرقان: 67 ] .

وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفسلفة الأخلاقية القائلة: « الفضيلة وسط بين طرفين » أي طرفي الإفراط والتفريط . فالشجاعة مثلًا وسط بين التهور والجبن ، والكرم وسط بين التبذير والتقتير .

والغنفاق جوانب متعددة ، وأحكام متفاوتة ، قد بين الشيخ رحمه الله جانبًا من الأحكام ، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى ، وتنحصر في الآتي: نوع ما يقع منه الإنفاق ، الجهة المنفق عليها ، موقف المنفق ، وصورة الإنفاق .

أما ما يقع منه الإنفاق: قد بينه تعالى أولًا من كسب حلال لقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [ البقرة: 267 ] .

وقوله تعالى: { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران: 92 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت