فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 1664

ومع أن الرواية الأولى أوثق من ناحية السند والإخراج إلا أننا نرجح مضمون الرواية الثانية , بالاستناد إلى الواقع التاريخي ; فالثابت أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم ; ولم يقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم أو يقتلهم . إنما كانت هناك خطة أخرى مقررة في التعامل معهم . هي خطة الإغضاء عنهم , وترك المجتمع نفسه ينبذهم , وتقطيع الأسناد من حولهم بطرد اليهود - وهم الذين يغرونهم ويملون لهم - من المدينة أولا . ثم من الجزيرة العربية كلها أخيرا . . أما هنا فنحن نجد أمرا جازما بأخذهم أسرى , وقتلهم حيث وجدوا:مما يقطع بأنهم مجموعة أخرى غير مجموعة المنافقين في المدينة . . وقد يقال:إن الأمر بأخذهم أسرى وقتلهم مشروط بقوله تعالى: فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا , فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم . . فهو تهديد ليقلعوا عما هم فيه . . وقد يكونون أقلعوا فلم ينفذ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فيهم . . ولكن كلمة (يهاجروا) تقطع - في هذه الفترة - بأنهم ليسوا من أهل المدينة . وأن المقصود هو أن يهاجروا إلى المدينة ; فقد كان هذا قبل الفتح . ومعنى الهجرة - قبل الفتح - كان محددا بأنه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ; والانضمام للجماعة المسلمة ; والخضوع لنظامها . وإلا فهو الكفر أو النفاق . . وسيجيء في سياق السورة - في الدرس التالي - تنديد شديد بموقف الذين بقوا - بغير عذر من الضعف - من المسلمين في مكة ; دار الكفر والحرب بالنسبة لهم - ولو كانوا من أهلها ومواطنين فيها ! - وكل هذا يؤيد ترجيح الرواية الثانية . وأن هؤلاء المنافقين كانوا جماعة من مكة - أو ممن حولها - يقولون كلمة الإسلام بأفواههم , ويظاهرون عدو المسلمين بأعمالهم .

ونعود إلى النص القرآني:

فما لكم في المنافقين فئتين ; والله أركسهم بما كسبوا ? أتريدون أن تهدوا من أضل الله ? ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء . فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله . فإن تولوا فخذوهم , واقتلوهم حيث وجدتموهم , ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرًا . .

إننا نجد في النصوص استنكارا لانقسام المؤمنين فئتين في أمر المنافقين ; وتعجبا من اتخاذهم هذا الموقف ; وشدة وحسما في التوجيه إلى تصور الموقف على حقيقته , وفي التعامل مع أولئك المنافقين كذلك .

وكل ذلك يشي بخطر التميع في الصف المسلم حينذاك - وفي كل موقف مماثل - التميع في النظرة إلى النفاق والمنافقين ; لأن فيها تميعا كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين . ذلك أن قول جماعة من المؤمنين:"سبحان الله ! - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم , نستحل دماءهم وأموالهم ?". . وتصورهم للأمر على هذا النحو , من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون ! مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين:"إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس". . وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم:"يظاهرون عدوكم". . تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان , في ظروف تستدعي الوضوح الكامل , والحسم القاطع . فإن كلمة تقال باللسان ; مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين , لا تكون إلا نفاقا . ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء . لأنه تمييع للتصور ذاته . . وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين

ولم يكن الحال كذلك في الإغضاء عن منافقي المدينة . فقد كان التصور واضحا . . هؤلاء منافقون . . ولكن هناك خطة مقررة للتعامل معهم . هي أخذهم بظاهرهم والإغضاء إلى حين .

وهذا أمر آخر غير أن ينافح جماعة من المسلمين عن المنافقين . لأنهم قالوا كلاما كالذي يقوله المسلمون . وأدوا بألسنتهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . بينما هم يظاهرون أعداء المسلمين !

من أجل هذا التميع في فهم فئة من المسلمين , ومن أجل ذلك الاختلاف في شأن المنافقين في الصف المسلم ,كان هذا الاستنكار الشديد في مطلع الآية . . ثم تبعه الإيضاح الإلهي لحقيقة موقف هؤلاء المنافقين: (والله أركسهم بما كسبوا) . .

ما لكم فئتين في شأن المنافقين . والله أوقعهم فيما هم فيه بسبب سوء نيتهم وسوء عملهم ? وهي شهادة من الله حاسمة في أمرهم . بأنهم واقعون في السوء بما أضمروا وبما عملوا من سوء .

ثم استنكار آخر: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله ?) . .

ولعله كان في قول الفريق . . المتسامح !! . . ما يشير إلى إعطائهم فرصة ليهتدوا , ويتركوا اللجلجة ! فاستنكر الله هذا في شأن قوم استحقوا أن يوقعهم الله في شر أعمالهم وسوء مكاسبهم

ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا . .

فإنما يضل الله الضالين . أي يمد لهم في الضلالة حين يتجهون هم بجهدهم ونيتهم إلى الضلالة . وعندئذ تغلق في وجوههم سبل الهداية ; بما بعدوا عنها , وسلكوا غير طريقها ; ونبذوا العون والهدى , وتنكروا لمعالم الطريق !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت