فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 1664

وعن الضحاك كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها ، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك ، وعليه فالآية موافقة لما وقع عليه العهد لكن أخرج أبو داود في ناسخه . وابن جرير . وغيرهما عن قتادة أنه نسخ هذا العهد وهذا الحكم يعني إيتاء الأزواج ما أنفقوا براءة ، أما نسخ العهد فلما أمر فيها من النبذ ، وأما نسخ الحكم فلأن الحكم فرع العهد فإذا نسخ نسخ ، والذي عليه معظم الشافعية أن الغرامة لأزواجهن غير ثابتة ، وبين ذلك في «الكشف» على القول بنسخ رد المرأة ، والقول بالتخصيص ، والقول: بأن التعميم كان عن اجتهاد لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: وأما على قول الضحاك أي السابق فهو مشكل ، ووجهه أنه حكم في مخصوصين فلا يعم غير تلك الوقعة على أنه عز وجل خص الحكم بالمهاجرين ولم يبق بعد الفتح هجرة كما ثبت في الصحيح فلا يبقى الحكم { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } أي في نكاحهن حيث حال إسلامهن بينهن وبين أزواجهن الكفار { إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي وقت إيتائكم إياهن مهورهن فإذا لمجرد الظرفية ، ويجوز كونها شرطية وجوابها مقدر بدليل ما قبل ، وعلى التقديرين يفهم اشتراط إيتاء المهور في نفي الجناح في نكاحهن ، وليس المراد بإيتاء الأجور إعطاءها بالفعل بل التزامها والتعهد بها ، وظاهر هذا مع ما تقدم من قوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ } أن هناك إيتاء إلى الأزواج وإيتاء إليهن فلا يقوم ما أوتي إلى الأزواج مقام مهورهن بل لا بد مع ذلك من إصداقهن ، وقيل: لا يخلو إما أن يراد بالأجور ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزويجهن تقديم أدائه ، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهن على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس ، وإما أن يبين إليهم أن ما أعطي لأزواجهن لا يقوم مقام المهر ، وهذا ما ذكرناه أولًا من الظاهر وهو الأصح في الحكم ، والوجهان الآخران ضعيفان فقهًا ولفظًا .

واحتج أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلمًا أو بذمة وبقي الآخر حربيًا وقعت الفرقة . ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها من غير عدة إلا أن تكون حاملًا ، وهذا للحديث المشهور الذي تجوز بمثله الزيادة على النص « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره » ومذهب الشافعي على ما قيل: إنه لا تقع الفرقة إلا بإسلامها ، وأما بمجرد الخروج فلا فان أسلمت قبل الدخول تنجزت الفرقة وبعد الدخول توقفت إلى انقضاء العدة ، وتعقب الاحتجاج بأن الآية لا تدل على مجموع ما ذكر ، نعم قد احتج بها على عدم العدة في الفرقة بخروج المرأة إلينا من دار الحرب مسلمة ، ووجه بأنه سبحانه نفى الجناح من كل وجه في نكاح المهاجرات بعد إيتاء المهر ، ولم يقيد جل شأنه بمضي العدة فلولا أن الفرقة بمجرد الوصول إلى دار الإسلام لكان الجناح ثابتًا ، ومع هذا فقد قيل: الجواب على أصل الشافعية أن رفع الإطلاق ليس بنسخ ظاهر لأن عدم التعرض ليس تعرضًا للعدم ، وأما على أصل الحنفية فكسائر الموانع ، وكونها حاملًا بالاتفاق فتأمل { وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } جمع كافرة ، وجمع فاعلة على فواعل مطرد وهو وصف جماعة الإناث ، وقال الكرخي: { الكوافر } يشمل الإناث والذكور ، فقال له الفارسي: النحويون لا يرون هذا إلا في الإناث جمع كافرة ، فقال: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة ، قال الفارسي: فبهت ، وفيه أنه لا يقال: كافرة في وصف الذكور إلا تابعًا للموصوف ، أو يكون محذوفًا مرادًا أما بغير ذلك فلا تجمع فاعلة على فواعل إلا ويكون للمؤنث قاله أبو حيان ، و عصم جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد وسبب ، والمراد نهي المؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقية في دار الحرب علقة من علق الزوجية أصلًا حتى لا يمنع إحداهن نكاح خامسة أو نكاح أختها في العدة بناءًا على أنه لا عدة لهن؛ قال ابن عباس: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه ، وأخرج سعيد بن منصور . وابن المنذر عن إبراهيم النخعي أنه قال: نزل قوله تعالى: { وَلاَ تُمْسِكُواْ } الخ في المرأة من المسلمين تلحق بالمشركين فلا يمسك زوجها بعصمتها قد برىء منها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت