فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 1664

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد . وسعيد بن جبير نحوه ، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه قال: أمرهم سبحانه بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه طلق لذلك امرأته فاطمة أخت أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وامرأته كلثوم بنت جرول الخزاعي فتزوجها أبو جهم بن حذيفة العدوي ، وكذا طلق طلحة زوجته أروى بنت ربيعة ، وتعقب ذلك بأنه بظاهره مخالف لمذهب الحنفية . والشافعية ، أما عند الحنفية فلأن الفرقة بنفس الوصول إلى دار الإسلام ، وأما عند الشافعية فلأن الطلاق موقوف إن جمعتهما العدة تبين وقوعه من حيث اللفظ ، وإلا فالبينونة بواسطة بقاء المرأة في الكفر ، فظاهر الآية لا يدل على ما في هذه الرواية ، وقرأ أبو عمرو . ومجاهد بخلاف عنه . وابن جبير . والحسن . والأعرج { تُمْسِكُواْ } مضارع مسك مشددًا ، والحسن أيضًا . وابن أبي ليلى . وابن عامر في رواية عبد الحميد . وأبو عمرو في رواية معاذ { تُمْسِكُواْ } مضارع تمسك محذوف إحدى التاءين ، والأصل تتمسكوا .

وقرأ الحسن أيضًا { تُمْسِكُواْ } بكسر السين مضارع مسك ثلاثيًا { قُلْ مَا أَنفَقْتُم } أي واسألوا الكفار مهور نسائكم اللاحقات بهم { وَلْيَسْئَلُواْ مَا أَنفَقُواْ } أي وليسألكم الكفار مهور نسائهم المهاجرات إليكم ، وظاهره أمر الكفار ، وهو من باب { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } [ التوبة: 123 ] فهو أمر للمؤمنين بالأداء مجازًا ، وقيل: المراد التسوية { ذلكم } الذي ذكر { حُكْمُ الله } أي فاتبعوه ، وقوله عز وجل: { يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } كلام مستأنف أو حال من { حُكْمُ } بحذف الضمير العائد إليه ، وهو مفعول مطلق أي يحكمه الله تعالى بينكم ، أو العائد إليه الضمير المستتر في { يُحْكِمُ } بجعل الحكم حاكمًا مبالغة كأن الحكم لقوته وظهوره غير محتاج لحاكم آخر { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة ، روي أنه لما تقرر هذا الحكم أدى المؤمنون مما أمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن ، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئًا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المؤمنين فنزل قوله تعالى: { وَإِن فَاتَكُمْ } أي سبقكم وانفلت منكم { شَىْء مّنْ أزواجكم إِلَى الكفار } أي أحد من أزواجكم ، وقرىء كذلك ، وإيقاع { شَىْء } موقعه لزيادة التعميم وشمول محقر الجنس نصًا ، وفي «الكشف» لك أن تقول: أريد التحقير والتهوين على المسلمين لأن من فات من أزواجهم إلى الكفار يستحق الهون والهوان ، وكانت الفائتات ستًا على ما نقله في «الكشاف» وفصله ، أو إن { فَاتَكُمْ شَىْء } من مهور أزواجكم على أن { شَىْء } مستعمل في غير العقلاء حقيقة ، و { مِنْ } ابتدائية لا بيانية كما في الوجه الأول { فعاقبتم } من العقبة لا من العقاب ، وهي في الأصل النوبة في ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده أي فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى ، أو شبه الحكم بالأداء المذكور بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب ، وحاصل المعنى إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار أو فاتكم شيء من مهورهن ولزمكم أداء المهر كما لزم الكفار .

{ فَاتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } من مهر المهاجرة التي تزوجتموها ولا تؤتوه زوجها الكافر ليكون قصاصًا ، ويعلم مما ذكرنا أن عاقب لا يقتضي المشاركة ، وهذا كما تقول: إبل معاقبة ترعى الحمض تارة وغيره أخرى ولا تريد أنها تعاقب غيرها من الإبل في ذلك ، وحمل الآية على هذا المعنى يوافق ما روي عن الزهري أنه قال: يعطي من لحقت زوجته بالكفار من صداق من لحق بالمسلمين من زوجاتهم .

وعن الزجاج أن معنى { فعاقبتم } فغنمتم ، وحقيقته فأصبتم في القتال بعقوبة حتى غنمتم فكأنه قيل: { وَإِن فَاتَكُمْ شَىْء مّنْ أزواجكم إِلَى الكفار } ولم يؤدوا إليكم مهورهن فغنمتم منهم { فَاتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } من الغنيمة وهذا هو الوجه دون ما سبق ، وقد كان صلى الله عليه وسلم كما روي عن ابن عباس يعطي الذي ذهبت زوجته من الغنيمة قبل أن تخمس المهر ولا ينقص من حقه شيئًا ، وقال ابن جني: روينا عن قطرب أنه قال: { فعاقبتم } فأصبتم عقبًا منهم يقال: عاقب الرجل شيئًا إذا أخذ شيئًا وهو في المعنى كالوجه قبله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت