فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 1664

وإذا قد كان المخاطب بذلك النهي جميع المؤمنين كما هو مقتضى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ} إلى آخره، تعين أن يقوم بتنفيذ من إليه تنفيذ أمور المسلمين العامة في كل مكان وكل زمان وهم ولاة الأمور من أمراء وقضاة إذ لا يمكن أن يقوم المسلمون بما خوطبوا به مثل هذه الأمور العامة إلا على هذا الوجه ولكن على كل فرد من المسلمين التزام العمل به في خاصة نفسه والتزام الامتثال لما يقرره ولاة الأمور.

وإذا كان محمل لفظ الحل وما تصرف منه كلام الشارع منصرفا إلى معنى الإباحة الشرعية وهي الجواز وضد التحريم.

ومن الواضح أن الكفار لا تتوجه إليهم خطابات التكليف بأمور الإسلام إذ هم خارجون عنه فمطالبتهم بالتكاليف الإسلامية لا يتعلق به قصد الشريعة، ولذلك تعد المسألة الملقبة في علم الأصول بمسألة: خطاب الكفار بالفروع، مسألة لا طائل تحتها ولا ينبغي الاشتغال بها بله التفريع عليها.

وإذ قد علق حكم نفي حل المرأة الذي هو معنى حرمة دوام عصمتها على ضمير الكفار في قوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} . ولم يكن الكفار صالحين للتكليف بهذا التحريم فقد تعين تأويل هذا التحريم بالنسبة إلى كونه على الكافرين، وذلك بإرجاع وصف الحل المنفي إلى النساء في كلتا الجملتين وإبداء وجه الإتيان بالجملتين ووجه التعاكس في ترتيب أجزائهما. وذلك أن نقول: إن رجوع المرأة المؤمنة إلى الكافر يقع على صورتين:

إحداهما: أن ترجع المرأة المؤمنة إلى زوجها في بلاد الكفر، وذلك ما ألح الكفار في طلبه لما جاءت بعض المؤمنات مهاجرات.

والثانية: أن ترجع إلى زوجها في بلاد الإسلام بأن يخلي بينها وبين زوجها الكافر يقيم معها في بلاد الإسلام إذا جاء يطلبها ومنع من تسلمها. وكلتا الصورتين غير حلال للمرأة المسلمة فلا يجيزها ولاة الأمور، وقد عبر عن الصورة الأولى بجملة {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} إذ جعل فيها وصف حل خبرا عن ضمير النساء وأدخلت اللام على ضمير الرجال، وهي لام تعدية الحل وأصلها لام الملك فأفاد أن لا يملك الرجال الكفار عصمة أزواجهم المؤمنات وذلك يستلزم أن بقاء النساء المؤمنات في عصمة أزواجهن الكافرين غير حلال، أي لم يحللهن الإسلام لهم.

وقدم {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} لأنه راجع إلى الصورة الأكثر أهمية عند المشركين إذ كانوا يسألون إرجاع النساء إليهم ويرسلون الوسائط في ذلك بقصد الرد عليهم بهذا.

وجيء في الجملة الأولى بالصفة المشبهة وهي {حل} المفيدة لثبوت الوصف إذ كان الرجال الكافرون يظنون أن العصمة التي لهم على أزواجهم المؤمنات مثبتة أنهن حل لهم.

وعبر عن الثانية بجملة {وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فعكس الإخبار بالحل إذ جعل خبرا عن ضمير الرجال، وعدي الفعل إلى المحلل باللام داخلة على ضمير النساء فأفاد أنهن لا يحل لهن أواجهن الكافرون ولو بقى الزوج في بلاد الإسلام.

ولهذا ذكرت الجملة الثانية {وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} كالتتمة لحكم الجملة الأولى، وجيء في الجملة الثانية بالمسند فعلا مضارعا لدلالته على التجدد لإفادة نفي الطماعية في التحليل ولو بتجدده في الحال بعقد جديد أو اتفاق جديد على البقاء في دار الإسلام خلافا لأبي حنيفة إذ قال: إن موجب الفرقة هو اختلاف الدارين لا اختلاف الدين.

ويجوز في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد تأكيد نفي الحال فبعد أن قال: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} وهو الأصل كما علمت آنفا أكد بجملة {وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} أي أن انتفاء الحل حاصل من كل جهة كما بقال: لست منك ولست مني.

ونظيره قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} في سورة البقرة [187] تأكيدا لشدة التلبس والاتصال من كل جهة.

وفي الكلام محسن العكس من المحسنات البديعية مع تغيير يسير بين {حل} و {يحلون} اقتضاه المقام، وإنما يوفر حظ التحسين بمقدار ما يسمح له به مقتضى حال البلاغة.

{وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} .

المراد ب {مَا أَنْفَقُوا} . ما أعطوه من المهور، والعدول عن إطلاق اسم المهور والأجور على ما دفعه المشركون لنسائهم اللاء من لطائف القرآن لأن أولئك النساء أصبحن غير زوجات. فألغي إطلاق اسم المهور على ما يدفع لهم.

وقد سمى الله بعد ذلك ما يعطيه المسلمون لهن أجورا بقوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} . والمكلف بإرجاع مهور الأزواج المشركين إليهم هم ولاة أمور المسلمين مما بين أيديهم من أموال المسلمين العامة.

{وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} .

وإنما قال تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} للتنبيه على خصوص قوله: {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} لئلا يظن أن ما دفع للزوج السابق مسقط استحقاق المرأة المهر ممن يروم تزويجها ومعلوم أن نكاحها بعد استبرائها بثلاثة أقراء.

{وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت