فهرس الكتاب
نهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في عصمتهم وهن النساء اللاء لم يخرجن مع أزواجهن لكفرهن فلما نزلت هذه الآية طلق المسلمون من كان لهم من أزواج بمكة، فطلق عمر امرأتين له بقيتا بمكة مشركتين، وهما: قريبة بنت أبي أمية، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية.
والمراد بالكوافر: المشركات. وهن موضوع هذه التشريعات لأنها في حالة واقعة فلا تشمل الآية النهي عن بقاء المرأة المسلمة في عصمة زوج مشرك وإنما يؤخذ حكم ذلك بالقياس.
قال ابن عطية: رأيت لأبي علي الفارسي إنه قال: سمعت الفقيه أبا الحسن الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} أنه في الرجال والنسوان، فقلت له: النحويون لا يرونه إلا في النساء لأن كوافر جمع كافرة، فقال: وآيش يمنع من هذا، أليس الناس يقولون: طائفة كافرة، وفرقة كافرة، فبت وقلت: هذا تأييد اهـ. وجواب أبي الحسن الكرخي غير مستقيم لأنه يمنع منه ضمير الذكور في قوله: {وَلا تُمْسِكُوا} فهم الرجال المؤمنون والكوافر نساؤهم. ومن العجيب قول أبي علي: فبهت وقلت... الخ. وقرأ الجمهور {وَلا تُمْسِكُوا} بضم التاء وسكون الميم وكسر السين مخففة. وقرأ أبو عمرو بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين مكسورة مضارع مسك بمعنى أمسك.
{وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا} .
عطف على قوله: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} وهو تتميم لحكمه، أي كما تعطونهم مهور أزواجهم اللاء فررن منهم مسلمات، فكذلك إذا فرت إليهم امرأة مسلم كافرة ولا قدرة لكم على إرجاعها إليكم تسألون المشركين إرجاع مهرها إلى زوجها المسلم الذي فرت منه وهذا إنصاف بين الفريقين، والأمر للإباحة.
وقوله: {وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا} تكملة لقوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ} لإفادة أن معنى واو العطف هنا على المعية بالقرينة لأن قوله {وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا} لو أريد حكنة بمفرده لكان مغنيا عند قوله: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} ، فلما ككر عقب قوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ} علمنا أن المراد جمع مضمون الجملتين، أي إذا أعطوا ما عليهم أعطوهم ما عليكم وإلا فلا. فالواو مفيدة معنى المعية هنا بالقرينة. وينبغي أن يحمل عليه ما قاله بعض الحنفية من أن معنى واو العطف المعية. قال إمام الحرمين في البرهان في معاني الواو: اشتهر من مذهب الشافعي أنها للترتيب وعند بعض الحنفية أنها للمعية. وقد زل الفريقان اهـ. وقد أشار إليه في مغني اللبيب ولم يرده. وقال المازري في شرح البرهان: وأما قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإن المراد النهي عن تناول السمك وتناول اللبن فيكون الإعراب مختلفا فإذا قال: وتشرب اللبن بفتح الباء كان نهيا عن الجمع ويكون الانتصاب بمعنى تقدير حرف أن اهـ. وهو يرمي إلى أن هذا المحمل يحتاج إلى قرينة.
فأفاد قوله: {وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا} أنهم إن أبوا من دفع مهور نساء المسلمين يفرون إليهم كان ذلك مخولا للمؤمنين أن لا يعطوهم مهور من فروا من أزواجهم إلى المسلمين، كما يقال في الفقه خيرته تنفي ضروه.
{ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .
أي هذا حكم الله، وهو عدل بين الفريقين إذ ليس لأحد أن يأخذ بأحد جانبيه ويترك الآخر. قال الزهري: لولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إلى أزواجهم صداق. وجملة {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} يجوز كونها حالا من اسم الجلالة أو حالا من {حُكْمُ اللَّهِ} مع تقدير ضمير يربط الجملة بصاحب الحال تقديره: يحكمه بينكم، وأن تكون استئنافا.
وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . تذييل يشير إلى أن هذا حكم يقتضيه علم الله بحاجات عباده وتقتضيه حكمته إذ أعطى كل ذي حق حقه.
وقد كانت هذه الأحكام التي غي هذه الآيات من التراد في المهور شرعا في أحوال مخصوصة اقتضاها اختلاط الأمر بين أهل الشرك والمؤمنين وما كان من عهد المهادنة بين المسلمين والمشركين في أوائل أمر الإسلام خاصا بذلك الزمان بإجماع أهل العلم، قاله ابن العربي والقرطبي وأبو بكر الجصاص.
[11] {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} .
عطف على جملة {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ} [الممتحنة:10] فإنها لما ترتب على نزولها إباء المشركين من أن يردوا إلى أزواج النساء اللاء بقين على الكفر بمكة واللاء فررن من المدينة والتحقن بأهل الكفر بمكة مهورهم التي كانوا أعطوها نساءهم، عقبت بهذه الآية لتشريع رد تلك المهور من أموال المسلمين فيما بينهم.
روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من التراد بين الفريقين في قوله تعالى: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة:10] .
فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} الآية.