فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 1664

4 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إلَى أَنَّ الرِّبَا حَرَامٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحُرْمَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَمَا كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ , سَوَاءٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ , أَوْ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُهَاجِرَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ , وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ , وَمَالِكٌ , وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , وَقَالُوا: إنَّ النُّصُوصَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا عَامَّةٌ , وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ , وَلَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . ( رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: رِبًا ) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ , وَلَا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُهَاجِرَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ . لِحَدِيثِ: لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ * وَلِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ فِي دَارِهِمْ , فَبِأَيِّ طَرِيقٍ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ , وَلِأَنَّ مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحٌ بِغَيْرِ عَقْدٍ , فَبِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ أَوْلَى . وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه خَاطَرَ قُرَيْشًا قَبْلَ الْهِجْرَةِ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * وَقَالَتْ قُرَيْشُ: أَتَرَوْنَ أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ ؟ قَالَ: نَعَمْ . فَقَالُوا: هَلْ لَك أَنْ تُخَاطِرَنَا فِي ذَلِكَ ؟ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: اذْهَبْ إلَيْهِمْ فَزِدْ فِي الْخَطَرِ وَزِدْ فِي الْأَجَلِ فَفَعَلَ , وَغَلَبَتْ الرُّومُ فَارِسًا فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ خَطَرَهُ , فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ * . وَكَانَتْ مَكَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَارَ حَرْبٍ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَخْذَ مَالِ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا لَمْ يَكُنْ غَدْرًا .

إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ:

5 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ سَرَقَ , أَوْ قَذَفَ مُسْلِمًا , أَوْ شَرِبَ خَمْرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ . فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ , لِأَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ فَرْضٌ كَالصَّلَاةِ , وَالصَّوْمِ , وَالزَّكَاةِ , وَلَا تُسْقِطُ دَارُ الْحَرْبِ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . إذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْقِصَاصَ , وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ , وَلَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ * . وَقَوْلُهُ: مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ بِهَا حَدًّا ثُمَّ هَرَبَ فَخَرَجَ إلَيْنَا فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ * وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ , وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلًا , وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ مُسْلِمًا فِيهَا لَا يُؤْخَذُ بِالْقِصَاصِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ , وَلِأَنَّ كَوْنَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْرَثَ شُبْهَةً فِي الْوُجُوبِ , وَالْقِصَاصُ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ , وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ وَتَكُونُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ , لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ابْتِدَاءً , ثُمَّ الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ التَّنَاصُرِ , وَلَا تَنَاصُرَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدَّارِ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: تَجِبُ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ , وَلَكِنَّهَا لَا تُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ , وَتُقَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ , أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَتَبَ إلَى النَّاسِ لَا يَجْلِدَنَّ أَمِيرُ جَيْشٍ وَلَا سَرِيَّةٍ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَدًّا وَهُوَ غَازٍ حَتَّى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قَافِلًا لِئَلَّا يَلْحَقَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ , فَيَلْحَقَ , بِالْكُفَّارِ .

حَدُّ مَنْ أَصَابَ حَدًّا مِنْ أَفْرَادِ الْجَيْشِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت