فهرس الكتاب

الصفحة 791 من 1664

واعلم أن من دلائل صدق القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيب الذي لا يعلمه الخلق، ولا يمكنهم افتراؤه، وما فيه من الإعجاز العلمي الذي لم يكتشف إلا مؤخرا، وما فيه من الأساليب العجيبة البليغة التي عجز العرب عن محاكاتها مع تمكنهم من التعبير بشتى أساليب الخطاب، وقد شاهد الناس صدق كثير مما جاء في القرآن من الأخبار المستقبلية، فمن ذلك غلبة الروم، وهزيمة جمع قريش، كما اكتشف العلم الحديث مؤخرا أطوار الجنين في البطن، ووجود الحاجز المائي بين العذب والمالح في البحر إلى غير ذلك.

ومن أعظم دلائل كونه من عند الله بقاؤه محفوظا بين أيدينا أربعة عشر قرنا لم يحرف ولم يبدل، ولم يَخْلَق على كثرة الرد, ولا يسأم منه قارئوه مهما كرروا تلاوته.

وأما صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يشهد له تبشير رسول الله عيسى ابن مريم برسالته، وثبوت أمره في التوراة والإنجيل، وقد شهد بذلك بعض أهل الكتاب الذين لم يعمهم التعصب كبحيرا الراهب وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وعبد الله بن سلام وزيد بن سعنة، إضافة إلى كثير من المعجزات التي تشهد برسالته، ومنها: شهادة الأشجار والحيوانات برسالته صلى الله عليه وسلم، ومنها: انشقاق القمر, ومنها: إخباره بأشياء مستقبلية ظهر صدقه فيها كفتح الشام والعراق والقسطنطينية.

وهذه المعجزات تكلم عليها أهل العلم في كتبهم فمنها دلائل النبوة للبيهقي، ومنها كتاب البداية والنهاية لابن كثير، فقد ذكر في المجلد السادس كثيرا من المعجزات، وكتاب الرسل والرسالات للدكتور عمر سليمان الأشقر, وراجع مواقع الإعجاز العلمي على الإنترنت، وما قاله الشيخ الزنداني وزغلول النجار فيه.

ثم عليك بمجالسة الصالحين من أهل العلم وتلقي العلم الشرعي عنهم، والانشغال بذلك عن مجالسة أهل الباطل، وصحبة الكفار، واحرص على دفع ما في نفسك من حب العاجلة ولذاتها إلى التعلق بمنال السعادة الحقيقية في الدارين, ففي نفس الإنسان عموما نزوع إلى الهوى والشهوة، وقد يجره للكفر والعياذ بالله, وعلاج ذلك بالخوف من الله وتذكر الآخرة والهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى {النازعات:40-41]. وقال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ آل عمران:14} .

فمن أهم عوامل دفع النفس عن الهوى علمه بربه، وخوفه من عقابه، و مما يعين على ذلك استشعار عظمة الله في القلب، والإكثار من تلاوة القرآن بتدبر، والتأمل في أسماء الله وصفاته، والنظر فيما في القرآن من الحديث عن أهوال القيامة وإهلاك الله وعقوبته لمن عصاه في الدنيا والآخرة، والتأمل كذلك في كتب السنة فإن فيها كثيرا من الأحاديث المخوفة من عقاب الله والمرغبة في طاعته والمبينة لعظمته وجبروته, ومن أعظم ما صنف في هذا كتاب العظمة لأبي الشيخ، وكتاب الترغيب والترهيب للمنذري، ورياض الصالحين،

ومن ذلك مجاهدة الإنسان لنفسه حتى يحملها على الهدى، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ {العنكبوت:69} .

ومن العوامل المؤثرة في الإنسان البيئة، والرفقة: فالمرء على دين خليله، وجاء في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الجليس الصالح كمثل العطار إن لم يعطك من عطره أصابك من ريحه.

ومنها: مقدار الصلاح العام، أو الفساد العام في المجتمع، فلا بد من الهجرة عن المجتمع الذي يقوى فيه الفساد على الصلاح، فقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا. فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب. فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا. فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله. فكمل به مائة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم. فقال: إنه قتل مائة نفس. فهل له من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا. فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم. ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.

واعلم أن الكفر لا يسبب تحقيق أي منفعة بل هو سبب للحرمان، كما يدل له الحديث: إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. رواه أحمد وابن ماجه.

واعلم أن الإيمان هو مصدر عز الأمة وقوتها وتحسين وضعها وفلاحها ونصرها، وأمنها والدفع عنها والتمكين لها، والرفعة والعلو والغلبة، ومحبة الله لها ومعيته وفتح أبواب البركات والحياة الطيبة، وتيسير الأمور وتفريج الكروب إلى غير ذلك من الوعود الصادقة المهمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت