فهرس الكتاب

الصفحة 815 من 1664

ويقصد بهذا الاصطلاح أن الإنسان لا يجد له ملجأ منيعًا آمنا في بلده وقد يجده في غير بلده فيسعى إلى موافقة هذا البلد غير الإسلامي بأن يقبله ويقبل إقامته فيه فإن كان سبب قبول إقامته فيه بمعنى سياسي لكونه يخاصم دولته ويخشى على نفسه بطشها فإذا قبلت إقامته فيها سمى انتقاله (باللجوء السياسي) فإذا انتقلنا إلى حال المسلم الذي لا يجد بلدًا إسلاميًا يقبل لجوءه إليه فهل يجوز له أن يلتجئ إلى بلد غير إسلامي يقبل هذا اللجوء إليه ويوطن له الأمن والأمان أو لا يجوز ذلك ؟ والجواب على هذا السؤال: أنه يجوز له أن يطلب ويسعى من أجل اللجوء السياسي في بلد غير إسلامي إذا تعذرت عليه الإقامة في وطنه ، وتعذر عليه قبول إقامته في بلد إسلامي آخر ، والدليل على ذلك السنة النبوية الصحيحة الثابتة فإن المسلمين في مكة جردوا وعذبوا وأوذوا كثيرًا وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم- يراهم ولا يقدر على دفع الأذى عنهم فقال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه) فالنبي -صلى الله عليه وسلم- جند ورغب وليس مجرد الإذن فقط ليدفع عنهم الأذى، وما كانت أرض الحبشة دار إسلام وذكر العلة أنهم يجدون الأمن والعدل المفقود في مكة وجعل السماح والإذن إلى أن يفرج الله عنهم ويزيل الاضطهاد بالتمكين وقد حصل وكذا تنكيس راية الشرك وقد حصل وقد خرج في شهر رجب سنة ( 5 هجرية) جماعة من المسلمين إلى الحبشة وكان عددهم قليلًا مع جماعة نسوة وهذا واضح الدلالة في جواز هذا اللجوء أو الانتقال إلى دار الحرب بسبب الاضطهاد ، ومدة هذا اللجوء مدة بقاء سبب اللجوء فإذا زال أو غلب زواله رجع إلى بلده المسلم ، ولما سمع المهاجرون أن قريشا خففت الاضطهاد رجع بعضهم فتبين أن ما سمعوه ليس صحيحًا فمنهم من دخل متخيفا ومنهم من دخل في جوار كافر كعثمان بن مظعون دخل في جوار المغيرة وأبو سلمة ابن أخت أبي طالب دخل في جوار خاله أبي طالب ، ومنهم من رجع ، ثم خرجوا في الهجرة الثانية لطلب الأمن والأمان ، وكان عدد المهاجرين في الفوج الأول (الهجرة الأولى إلى الحبشة) اثني عشر رجلًا وأربع نسوة رئيسهم عثمان بن عفان ومعه السيدة رقيه بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وفي الهجرة الثانية كان عددهم ثلاثًا وثمانين رجلًا إن كان فيهم عمار فإنه يشك فيه وثماني عشرة أو تسع عشرة امرأة وبالأول جزم العلامة محمد بن سليمان المنصور فوري كما صرح بذلك مؤلف الرحيق المختوم.

المبرر الخامس: التداوي والعلاج من الأمراض:

التداوي في حكم الشرع يدخل في حكم المباح وإن قال بعض الفقهاء من الشافعية إنه مستحب ، ومن قال بأنه مكروه أو مناقض للتوكل فقوله ضعيف والأدلة تدفعه ففي قوله تعالى ممتنا على عباده بما يخرج من بطون النحل من شراب مختلف ألوانه قال تعالى: ? فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس? [ سورة: النحل - الآية69] ، وكونه شفاء فيه إشارة إلى أنه يمكن تعاطيه لتحقيق هذا المعنى وهو الشفاء والبرء من المرض كما في الحديث الشريف"لكل داء دواء"، وفي حديث آخر"تداووا عباد الله فإن الله لم ينزل داء إلا وجعل معه دواء علمه من علمه وجهله من جهله"واستثنى الهرم ، فدرجة مشروعية الدواء الإباحة ولو تركه المسلم حتى مات بسبب مرضه لا يكون آثمًا ، ولا ينزل منزله قاتل نفسه خلافًا للممتنع عن أكل الطعام حتى مات جوعًا فإنه يأثم وينزل منزلة قاتل نفسه والسبب في ذلك أن الامتناع عن الطعام امتناع عما يؤدي إلى الهلاك يقينًا حسب سنة الله في الهلاك أو الموت بخلاف الامتناع عن الدواء فإنه لم يصل إلى درجة اليقين في دفع الهلاك عند عدم استعماله ، وبعد هذه المقدمة يجوز للمسلم أو المسلمة تعاطي الدواء في دار الإسلام بل يجوز أن يكشف من عورته ما يقتضيه ويستلزمه ويحتاجه العلاج سواء كان ذلك للرجل أو للمرأة بل قال الفقهاء يجوز للمرأة أن تكشف من عورتها للطبيب إذا لم تكن هناك امرأة تعالجها كما قرر الفقهاء أنه يجوز لغير المسلم أن يعالج المريض المسلم وذهب بعضهم إلى أن الطبيب غير المسلم إذا كان أكثر علمًا ودراية وحرصًا وتجربة من الطبيب المسلم فلا بأس أن يرجحه المريض المسلم على الطبيب المسلم الذي لم يصل علمه إلى درجة الطبيب غير المسلم ولم يقيدوه بكون العلاج في دار الإسلام وبالتالي إذا رأي المريض المسلم أو المسلمة أن العلاج أو الدواء في بلد غير إسلامي أكثر احتمالا لحصول الشفاء له مما هو متيسر في دار الإسلام فلا بأس من الذهاب إلى هذا البلد غير الإسلامي والإقامة فيه بقدر ما يتطلبه العلاج .

والسؤال هنا: هل يمكن أن يصل العلاج إلى درجة الوجوب؟

الظاهر لنا أنه لا يصل وإنما قد يصل إليه فيكون مندوبًا كلما كان هذا النوع من العلاج أو الدواء أو العملية الغالب فيها الشفاء والنادر فيها الهلاك ، وأن الغالب في ترك العلاج هلاك المريض في هذه الأحوال فيمكن أن يقال إن تعاطي العلاج أو الدواء يكون مندوبًا ندبًا شديدًا نستطيع إيصاله إلى درجة الوجوب التي من تركها كان آثمًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت