فهرس الكتاب
1-أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بجزئية الجوار المأخوذ به في نظام كفار قريش وكفار سائر العرب ومعنى الجوار هو أن يجير رجل ذو نفوذ وسلطة شخصًا آخر ويعلن هذا الجوار وبمقتضاه يكون أي اعتداء على الممنوح له هذا الجوار اعتداءً على المجير نفسه فقد أخذ كما قلت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بهذه الجزئية من نظام الجاهلية ، ومن الوقائع التي تشهد على ما قلناه أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي بجوار عمه أبي طالب وبحمايته له ، وأنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من الطائف أرسل عبد الله بن أريقط إلى المطعم بن عدي بشأن جواره له في دخول مكة فقال المطعم للرجل نعم أنا أجيره فأمره أن يأتي إلينا وينام عندنا الليلة فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم وبات عنده ثم خرج مطعم والنبي صلى الله عليه وسلم وبنو المطعم وكان ستة أو سبعة متقلدين سيوفهم فدخلوا المسجد الحرام فقال أبو سفيان: أمجير أنت أم تابع ؟ فقال أنا مجير ، قال أبو سفيان: لا تخفر ذمتك ، وكان رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف التي ذهب إليها بعد وفاة عمه أبي طالب الذي كان قد أعلن حمايته لابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم ومن أحكام الجوار أن الذين هاجروا إلى الحبشة ورجعوا إليها وكان من جملتهم أبو سلمة الذي دخل في جوار خاله أبي طالب فجاء قوم من بنى مخزوم قالوا له: يا أبا طالب: لقد منعت ابن أخيك أي أجرته ، فما لك ولصاحبنا أبي سلمه تمنعه أيضا ، قال: لقد استجار بي وإن لم أمنعه وهو ابن أختي ، فلا امنعه ابن أخي يقصد النبي صلى الله عليه وسلم فلما أراد أبو بكر أن يهاجر إلى الحبشة لقيه ابن الدغنه فقال: إلى أين ؟ قال: أهاجر ، قال: مثلك لا يَخرُج ولا يُخرَج وأنت في جواري فرجع أبو بكر إلى جوار ابن الدغنة ، وقد أجار العاصي بن وائل السهمي عمر بن الخطاب عندما علمت قريش بإسلامه وعندما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة في الهجرة الأولى وقد سمعوا خفة العذاب عن المسلمين ثم تبين لهم خلاف ذلك دخل عثمان بن مظعون في جوار كافر وكل أولئك لم يكونوا مسلمين وقبل النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذكرنا جوارهم فدل ذلك على جواز أن يستعين المسلم بجزئية من النظام الكافر إذا كان من شأن الاستعانة أن تؤدي إلى مصلحة دون أن تخدش هذه الجزئية إيمان المسلم أو معنى من معانيه وعلى هذا إذا كان في نظام البلد الكافر جزئية تجيز الاشتراك في الانتخابات فيجوز للمسلم انتخاب الكافر لعضوية المجلس إذا كان انتخابه يحقق مصلحة للمسلمين في داخل ذلك البلد أو خارجه لكونه يدافع عن حقوقهم أو يمنع الظلم عنهم أو على الأقل لا يعين على المسلمين ، فالدخول لتحقيق هذه الجزئية أمر جائز قياسًا على جواز الاستعانة بجزئية الجوار في نظام الجاهلية ، وإن كان بوسع المسلم وطائفته اختيار مسلم فعليهم اختيار المسلم ولكن إذا علموا أن أصواتهم لا تمكنهم من انتخاب المسلم فعليهم أن ينتخبوا من هو أقل شرا وأكثر دفاعًا عن حقوقهم بما يبيحه لهم قانون البلد ، وبناءً على هذه الجزئية يجوز للمسلم أن يطالب بحقوق المسلمين بحجة أن ذلك من حقوق الإنسان ويستنكر ظلم ولاة الأمور على أساس أن ذلك من حقوق الإنسان وأن قوانينهم تمنع التعسف في نظام السلطة .
2-وكذلك يجوز للمسلم في تلك البلاد أن يشارك في انتخاب مجالس البلدية التي ليس فيها سن قوانين لكونه من المقيمين ـ يجوز له ذلك فينتخب مسلمًا فإن لم يتيسر له فينتخب من هو أقرب نفعًا للمسلمين في تلك المجالس البلدية لأن مشاركة المسلم في هذه المجالس فيها احتمال تحقيق المصلحة وتقليل المفسدة قدر الإمكان أما الامتناع عن المشاركة فليس فيها أي مصلحة ولا أي دفع للمفسدة بل ربما سيختار من هو أشد ضررًا فلا خير في هذا الشر وليس في الترك أي معنى مرغوب شرعًا علمًا بأننا نعالج هذه المسألة باعتبار أن المسلم له حق المشاركة لحمله جنسية ذلك البلد بالتجنس الاختياري أو الإجباري المبنى على الولادة في ذلك البلد ولسنا من المحرضين على التجنيس لإمكان المشاركة وإنما نعالج هذا الأمر الواقعي ، وبإمكاننا أن نقول إن للمسلم أن يحتج بقوانين البلد لدفع ضرر عن نفسه قياسًا على جزئيه الجوار .
الخروج من دار الحرب
إذا كان المسلم في بلد غير إسلامي لسبب ما فهل يجب عليه الخروج من هذه الدار أو الهجرة منها ؟
أجاب الفقهاء عن ذلك في ضوء قوله تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْض? [ سورة:النساء- الآية97] ، وفي ضوء هذه الآية الكريمة قرروا ما يأتي: