فهرس الكتاب

الصفحة 880 من 1664

آ ـ نشوء جديد كلية: قد تنشأ الدولة من عناصر جديدة إما بامتلاكها عنوة أو سلمًا أو بهجرة مجموعة من الناس واستقرارها على إقليم غير مأهول أو مسكون بقبائل متأخرة أو بشعب ضعيف، وتوفر الرغبة لديهم في تكوين تنظيم سياسي مستقل.

(1) يلاحظ أن اصطلاحات الدين والدولة والعقيدة والسياسة ونحوها عند الغربيين يجمعها عندنا كلمة (الدين الإسلامي) الذي يشمل كل هذه المصطلحات متلازمة، غير منفصلة ولا متباعدة، فالعبادة والمعاملات التجارية والقضاء والإدارة والحكم والحرب والسلم كلهاتلتقي في ظل نظام واحد هو نظام الإسلام، وتنبع من عقيدة واحدة هي عقيدة الإسلام.

(2) أهل الذمة: هم الطوائف الأخرى غير المسلمة التي تقيم في دار الإسلامي بموجب عقد الذمة.

(3) حافظ غانم، المرجع السابق: ص 266 وما بعدها، الشريعة والقانون الدولي، علي منصور: ص159 وما بعدها.

وهذه ظاهرة تاريخية يمكن إرجاع نشوء أغلب الدول القديمة إليها، ومنها الدولة الإسلامية الأولى في المدينة وما جاورها، ثم امتدادها بطريق الفتح إلى أنحاء الجزيرة العربية والبلدان الإسلامية المفتوحة، فقد هاجر المسلمون إلى المدينة، ثم فتحوا بلدان الجزيرة العربية وغيرها، وكونوا لأنفسهم حكومة ونظامًا سياسيًا خاصًا يعتمد على أسس جديدة من حراسة الدين وسياسة الدنيا.

ب ـ نشوء الدولة من عناصر قديمة: وهذا يكون إما بالانفصال أو بالاتحاد، وقد حدثت الحالة الأولى باستقلال الدول المنفصلة عن الخلافة العباسية، وتكوين دول مستقلة في الأندلس والمغرب ومصر وإيران. ويمكن حدوث الحالة الثانية باتحاد دولتين أو أكثر من دول العالم الإسلامي الحاضرة إما في شكل دولة واحدة كما كان عليه الوضع أثناء نظام الخلافة السابق، وإما في شكل اتحاد فعلي، أو دولة تعاهدية، ويتم التعاهد إما بالاتفاق الاختياري أو الصلح مع أهل بلد كبير على عقد الذمة مثلًا.

الفرع الثاني ـ الاعتراف وأنواعه ونتائجها في المجال الدولي:

ماهية مبدأ الاعتراف ومسوغاته:

31 -إن تنظيم المجتمع الدولي الحاضر تنظيم حديث لم يكن على هذا النحو وقت ظهور الإسلام وفي عصور دوله المتتابعة كما هو معروف، لذا كان مرجع تفصيل الأحكام الدولية إلى القانون الدولي العام، إلا أن المبادئ الأصلية والأخلاق الدولية السائدة مقررة بوضوح في الإسلام.

فمن أنظمة القانون الدولي الحديث التي يشترطها لنشوء الدولة بعد استكمال عناصرها المادية المكونة لها هو إصدار اعتراف دولي بوجودها، والاعتراف بالدولة هو من جملة الأحكام السلمية في العلاقات الدولية.

وبما أن الإسلام ينشد في الحقيقة الوصول إلى سلم مستقرة في علاقاته مع الشعوب الأخرى على أساس أحد أمرين: إما الدخول في الإسلام، أو المعاهدة والأمان، فإن الاعتراف بوجود الدولة الأخرى غير المسلمة (دارا لحرب) أمر لا مانع منه استصلاحًا في مبدأ الإسلام وفقهه المتمثل في تقسيم العالم إلى دارين: دار إسلام ودار حرب، لأن دار الحرب تشمل كل الدول غير المسلمة التي كانت في الأصل غير مسالمة للمسلمين ولا متعاهدة معهم، فإذا تمت المعاهدة السلمية بين الدولة الإسلامية وغيرها من دول دار الحرب، أو التزمت هذه الدول كلها ميثاقًا واحدًا ينص على احترام السلم والأمن الدوليين، وتحريم التدخل في شؤون الدول الأخرى كان ذلك اعترافًا ضمنيًا من الدولة الإسلامية بغيرها، فضلًا عن أن الاعتراف يصدر في الغالب صراحة بإرادة حرة.

وهذا موافق لقوله تعالى: {وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله ، إنه هو السميع العليم} [الأنفال:61/8] ، وموافق أيضًا لرأي الفقهاء القائلين بأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم (1) .

وبناء عليه يجوز للدولة المسلمة الاعتراف بدولة غير مسلمة اعترافًا علنيًا أو ضمنيًا حقوقيًا أو واقعيًا بحسب الحال.

وكون الدعوة الإسلامية ذات نزعة عالمية من طريق الحكمة والموعظة الحسنة، وبالتالي امتداد سلطان الدولة الإسلامية مع انتشارها في المعمورة: لا يعني تجاهل ظروف الإمكان وضرورات الواقع ومصلحة السلام التي تجعل من دولة الإسلام إحدى دول هذا العالم التي تتبادل بينها أمر الاعتراف لفض منازعاتها على أساس سلمي يتمشى مع منطق الإسلام ووحي رسالته.

ويؤكد هذه المسوغات للاعتراف أنه عند الفقهاء الدوليين الآن عمل حر تقر بمقتضاه دولة أو مجموعة من الدول وجود جماعة لها تنظيم سياسي في إقليم معين مستقلة عن كل دولة أخرى، وقادرة على الوفاء بالتزامات القانون الدولي العام وتظهر الدول بالاعتراف نيتها في اعتبار هذه الدولة عضوًا في الجماعة الدولية (2) .

(1) ر: جهاد أو حرب فيما سبق.

(2) حافظ غانم، المرجع السابق: ص 268.

أنواع الاعتراف:

32 ـ للاعتراف أنواع ثلاثة حسبما يقرر فقهاء القانون الدولي الحديث، وهي: الاعتراف الكامل، والاعتراف الناقص، والاعتراف بحالة الحرب (1) .

أولًا - الاعتراف الكامل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت