فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 1664

(1) أخرجه مالك في الموطأ بلاغًا (جامع الأصول: 186/1) .

(2) أخرجه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه (جامع الأصول: 197/1) .

1 -تقوية وحدة الأمة وتعاونها وأخوة أبنائها:

57 -علمنا مما سبق أن المسلمين إخوة وأمة واحدة مهما نأت بهم الديار، ومقتضى ذلك أنه يجب عليهم جميعًا المشاركة في الآلام، والسعي لتحقيق الآمال الكبرى، والتعاون البناء في سبيل خير الجماعة، والحفاظ على وحدة الأمة، وتنمية الروابط المشتركة فيما بينها، وعلى الدولة التي تمثل المسلمين أن تسعى دائمًا لشد أزر عُرَى التضامن الأخوي، ودعم وحدة الأمة وتعاون أفرادها في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية تنفيذًا لقوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} [الأنبياء:92/21] {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران:103/3] {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10/49] {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح:29/48] .

فبالوحدة تتوصل الدولة المسلمة إلى نهضة حيوية شاملة في جميع مرافق الحياة وتصبح عزيزة الجانب مرهوبة السلطان.

ولقد حذر الإسلام من التفرق والفتن والاختلاف، وذكَّر المسلمين في كل آونة بأنهم إخوة في السراء والضراء للحفاظ على الوحدة المنشودة، فقال: «المسلم أخو المسلم لايظلمه، ولايخذله، ولايكذبه، ولايحقره..» (1) « المؤمن للمؤمن

(1) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 609/3 ومابعدها، شرح مسلم: 139/6) وفي رواية أخرى لمسلم عن الزهري عن سالم عن أبيه: « المسلم أخو المسلم لايظلمه ولايُسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة » ( شرح مسلم: 134/16) .

كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (1) «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل: كيف أنصره ظالمًا؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره» (2) .

ومن زاوية التاريخ نرى أنه قد انتصر الإسلام في جميع عهوده التي كان المسلمون فيها متحدين متآخين، فبدأ الرسول صلّى الله عليه وسلم بالمؤاخاة الفعلية بين المسلمين (3) ، ثم حقق لهم معنى الإخاء الأكبر الدائم فيما بينهم، وصار العرب بفضل الإسلام كتلة واحدة بعد أن كانوا في الجاهلية قبائل متفرقة تمزقهم العداوات والأحقاد والإحن القديمة: {وألَّف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألَّفت بين قلوبهم، ولكن الله ألَّف بينهم، إنه عزيز حكيم} [الأنفال:63/8] .

ولم يتمكن المسلمون من القضاء على أعدائهم بعد النبي عليه السلام إلا بوحدة الصف وتوحيد الهدف، كما حصل مثلًا في وقعة اليرموك وفي حرب المغول والتتر وانتصار المسلمين في موقعة عين جالوت، وفي معركة حطين وطرد الصليبيين من بلاد المشرق وفتح بيت المقدس.

ومن مزايا الإخاء والاتحاد الإسلامي أنه يحقق للمسلمين تساميًا فوق الاعتبارات الإقليمية الضيقة. أما الدول الحاضرة مثلًا فإنها تسعى لتحقيق ما يعرف بالوحدة الوطنية المقيدة داخل نطاق أرضي معين، وتحت شعار قومية واحدة، مع وجود فجوات وحزازات داخلية متعددة.

(1) رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري (الفتح الكبير) .

(2) رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس (الفتح الكبير) وانظر شرح مسلم: 138/16.

(3) مجمع الزوائد: 171/8.

2 -تحقيق المصالح الأساسية التي تدور عليها الشريعة:

58 -إن من أول واجبات الدولة رعاية المصالح أو المقاصد التي تقوم عليها الشريعة وتستهدف تحقيقها: وهي المحافظة على الأصول الكلية الخمسة المعروفة بالضروريات، والتي لم تبح في ملة من الملل: وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وسميت بالضروريات لأنه يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت، اختل نظام الحياة في الدنيا وضاع النعيم، واستحق العقاب في الآخرة.

وقد حافظت الشريعة على هذه الأصول من ناحيتين:

الأولى: تحقيقها وإيجادها.

الثانية: المحافظة على بقائها.

فتحقيق مبدأ الدين مثلًا بالإتيان بأركان الإسلام الخمسة، والمحافظة عليه بمجاهدة من يريد إبطاله، وعقوبة المرتد عنه بالقتل إن لم يتب .

والنفس تتحقق وتوجد بالتزاوج الذي يؤدي إلى بقاء النوع الإنساني، والمحافظة على بقائها تكون بفرض العقوبة على قاتلها وهو القصاص. فقد شرع القصاص للحفاظ على النفوس والدماء، لأن القصاص مقررللحياة التي هي من أجلّ المنافع.

والعقل إذا وهبه الله للإنسان يحافظ عليه بإباحة كل ما يكفل سلامته، وتحريم ما يفسده أو يضعف قوته كشرب الخمر والمسكرات وتعاطي المخدرات، وإقامة الحد على الشارب وتعزير متناول الحشيشة والأفيون ونحوهما لغير حاجة طبية.

والنسل شرع لإقامته استحلال البُضْع (1) بطريق مشروع، وللمحافظة عليه شرع حد الزنى وحد القذف لصيانة الأعراض والكرامات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت