ويعبر الفقهاء عن واجب الدولة بتأمين العاجزين عن العمل بدفع ضرر المسلمين إلى حد الكفاية، قال النووي: (من فروض الكفاية: دفع ضرر المسلمين ككسوة عار، وإطعام جائع إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال) وتساءل شارح المنهاج (هل يكفي سد الضروة، أم يجب تمام الكفاية التي يقوم بها من تلزمه النفقة؟ قال: فيه وجهان: قيل: ما يسد الرمق ، والأوجه ما يحقق الكفاية) (2) . وقال ابن حزم: (فرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائها، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة) (3) .
فعلى الحاكم إذن تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء رعاية للمصلحة العامة، وله أن يتوصل لهذه الغاية بما يفرضه من تكاليف وضرائب على
(1) أدب الدنيا والدين مع شرحه: ص 363.
(2) المنهاج مع مغني المحتاج: 212/4.
(3) المحلى: 452/6، م 725.
الأغنياء بحسب الحاجة بالإضافة إلى فريضة الزكاة (1) . لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إن في المال حقًا سوى الزكاة» (2) وليس هنا مجال التفصيل (3) .
وهذا المبدأ في الإسلام شامل لكل المواطنين، سواء أكانوا مسلمين أم ذميين كما أوضح الفقهاء (4) بدليل أن سيدنا عمر بن الخطاب أسقط الجزية عن شيخ من أهل الذمة، وفرض له من بيت المال ما يكفيه، وقال للخازن: (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم) (5) . وجاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة: (وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام) (6) .
(1) الاعتصام للشاطبي: 121/2، المستصفى للغزالي: 140/1-142 ط التجارية، تفسير القرطبي: 232/2.
(2) رواه الترمذي عن فاطمة بنت قيس، وقال: إسناده ليس بذاك، وروى ابن حزم عن ابن عمر أنه قال: (في مالك حق سوى الزكاة) ثم قال: وصح عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة، ثم ذكر أنه لا خلاف في هذا إلا عن الضحاك بن مزاحم وهو ليس بحجة (التلخيص الحبير: ص 177، أحكام القرآن للجصاص: 153/1، سنن الترمذي باب الزكاة: 21/3 ط حمص) .
(3) ر: زكاة، ضريبة.
(4) مغني المحتاج، المكان السابق، نهاية المحتاج: 194/7.
(5) منتخب كنز العمال من مسند أحمد: 309/2 ، الخراج لأبي يوسف: ص 126.
(6) الخراج: ص 144.
6 -تحقيق الحياة الطيبة للأفراد بالنظر الإسلامي:
65 ـ إن من أهم أصول النظام الاجتماعي الإسلامي هو تحقيق الحياة الطيبة الكريمة للناس، الجامعة بين خيري الدنيا والآخرة، والقائمة على أساس العمل الصالح ماديًا ومعنويًا ؛ إذ أن صلاح العمل يرتد أثره بالخير الكامل والسعادة والنعيم على الفرد والمجتمع، بدليل قوله تعالى: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل:97/16] . والمقصود بالحياة الطيبة: توفر السعادة والرخاء والقناعة والغنى عن الغير والاتجاه إلى ا لله سبحانه، والبعد عن الضنك والتعب، قال عبد الله التستري: (الحياة الطيبة: هي أن ينزع عن العبد تدبيره، ويرد تدبيره إلى الحق) وقيل: هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق.
قال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: (هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحًا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلّى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت(1) .
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرًا» (2) وقال صلّى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (3) .
66 -وطريق تحقيق الحياة الطيبة في الدنيا يتجلى من خلال النظرة إلي المال والعمل. أما نظرة الإسلام إلى المال فهو أنه مال الله . وأما نظرته إلى العمل فهو
(1) تفسير القرآن العظيم: 585/2.
(2) رواه مسلم وأحمد (فيض القدير والفتح الكبير) .
(3) رواه مسلم وأحمد وابن عدي والترمذي عن أبي هريرة (كشف الخفا للعجلوني) .