وسيلة القادر عليه لتحصيل الرزق، وقد حث القرآن عليه في قوله تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك:15/67] وطالبت السنة بإتقان الأعمال: «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (1) وبضرورة الحفاظ على الكرامة الشخصية وعزة النفس، جاء في الأحاديث: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق خير له من أن يسأل الناس» (2) « اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير» (3) «اليد العليا خير من اليد السفلى» (4) «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (5) «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سوي» (6) .
وأما المقصود من الزهد المرغب فيه في الإسلام، فمعناه العمل الإيجابي لنفع الآخرين ولو بترك السعادة الشخصية أو هو الاقتصار على السبل المشروعة المتميزة بالقناعة عند اصطدام المساعي وتنازع المصالح، قال شراح حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» (7) : الزهد: هو الإعراض عن الشيء لاستصغاره وارتفاع الهمة عنه لاحتقاره، لقوله تعالى: قل متاع
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة، قال السيوطي: حديث ضعيف (فيض القدير شرح الجامع الصغير) .
(2) رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب: 592/1) .
(3) ذكره تمام في فوائده وابن عساكر في تاريخه عن عبد الله بن بسر (فيض القدير شرح الجامع الصغير والفتح الكبير) .
(4) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر: (شرح مسلم: 124/7، الترغيب والترهيب: 585/1) .
(5) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة (الترغيب المرجع السابق: 589/1) .
(6) رواه الطبراني في الكبير والبزار وفيه ابن لهيعة وفيه كلام (مجمع الزوائد: 91/3) .
(7) حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي (الأربعين النووية) .
الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى [النساء:77/4] قيل للزهري: ما الزهد؟ قال أما إنه ليس تشعيث اللِّمة ولا قشف الهيئة، ولكنه صرف النفس عن الشهوة. وقال ابن السَّماك: الزاهد: هو الذي إذا أصاب الدنيا لم يفرح، وإذا أصابته لم يحزن، يضحك في الملا، ويبكي في الخلا، أي عند ذكر الله في الخلوة (1) .
67 -ودور الدولة في تحقيق الحياة الطيبة يظهر في محاولتها توفير الرفاه والرخاء الاقتصادي بتشجيع وسائل الإنتاج من صناعة وتجارة وزراعة التي هي أفضل المكاسب في الإسلام، كما أنها تفتح مجالات الأمل والعمل لاستنزاف البطالة، وتوسع دائرة التعليم والتثقيف الديني ـ الأخلاقي، وتوفر للمواطنين الثقة والأمن والطمأنينة بردع العدو وتأديب العصاة، وتحد من سلطان الأطماع الطاغية وتحارب الوسائل غير المشروعة، وتزيل كل منافذ الفتنة والإغراء والانحراف، وتقمع كل طرق الشر والفساد، كما يتجلى ذلك في سيرة الخلفاء الراشدين وعهود القوة والازدهار في الدول الإسلامية المتتابعة.
7 -تحقيق المجتمع الخير (Welfare state) :
68 -إن من أهم وظائف الدولة الخيرة الدعوة إلى الخير، والعمل الإيجابي على تحقيق مقتضيات الخير للمجتمع، وتحقيق الفلاح له في كل آفاق الحياة. وهذا ما يحاول الفقه السياسي في الغرب أن يصل إليه بما يسميه ( دولة الفاهية ) قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [آل عمران:104/3] {فاستبقوا الخيرات} [البقرة:148/2] {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات} [آل عمران:114/3] إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا
(1) تذكرة الدعاة للبهي الخولي: ص 145.
خاشعين [الأنبياء:90/21] . ونطاق العمل الإيجابي في سبيل خير الرعية لا حدود له، فهو يشمل مثلًا حماية الرعية من كل عدوان في الداخل والخارج، والعمل على بث العمران في أرجاء الدولة بكل ما يتطلبه من مرافق، وتنمية عناصر الثروة القومية في سبيل القضاء على الفقر الذي يبغضه الإسلام، وتأهيل الناس كافة للعمل والنتاج، تحقيقًا لتكافؤ الفرص في الكسب، ثم بعد ذلك كفالة كل عاجز عن الكسب صونًا لآدميته وكرامته الإنسانية، والعمل على بث مصادر الثروة في ثنايا المجتمع حتى لا تنحصر في أيدي فئة قليلة تتداولها فيما بينها ، كما جاء في التوجيه القرآني: {كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر:7/59] ، وغير ذلك من كل ما دعا إليه القرآن من وجوه الخير التي تتناسب مع الاحتياجات المتطورة للبشرية (1) .
8 -العمل المستمر على تحقيق الأفضل في جميع نواحي الحياة البشرية: