69 -لا يقتصر دور الدولة المسلمة على إصلاح النواحي الاقتصادية أو الاهتمام بمطالب الحياة المادية فحسب كما تقول الشيوعية، وإنما مهمتها شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية الفكرية والنفسية والسياسية والخلقية، لأن الإسلام دين الفطرة (2) والفطرة البشرية تتطلب العناية بجميع هذه النواحي متضامنة مع بعضها كي تزدهر الحضارة، وتحفظ الحياة الكريمة ويزداد العمران وترتاح النفوس بتقوية العنصر الأخلاقي الذي يحمي القيم الاقتصادية وغيرها، لأن الحقائق والقيم الذاتية في تقدير الإسلام ليست أشياء منفصلة عن المظاهر المادية للحياة الإنسانية،
(1) انظر في ذلك نظام الحكم في الإسلام للدكتور محمد عبد الله العربي: ص 60.
(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، ثم يقول: اقرؤوا { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم} رواه مسلم والموطأ والترمذي وأبو داود (جامع الأصول: 178/1) .
ولأن المقصد من رسالة الإسلام هوإيجاد المجتمع الصالح الذي لا يكتفي بتوفير وسائل العيش أورفع مستوى المعيشة فقط، وإنما لا بد للدولة من العمل على ترقية الوجدان والحياة الخلقية لتقويم سلوك الأفراد، وتسديد نشاطهم العملي الذي يبوئهم خيري الدنيا والآخرة مع الشعور بالارتياح والطمأنينة لا بالقهر والقسر.
وعلى الدولة ـ باعتبارها حكومة القرآن ـ أن تسعى دائمًا لتحقيق الأفضل والأصلح لمواطنيها في مختلف جوانب الحياة الإنسانية المادية والأدبية، فتقيم أركان الإسلام وتنشر الأمن وتدفع خطر الأعداء، وتسارع إلى إحراز التفوق في كل مجالات التقدم والمدنية والسبق العلمي وإشاعة الرخاء الاقتصادي، وتطوير الإنتاج والصناعة وأساليب الحياة الحديثة حتى يتحقق المجتمع الفاضل الذي يريد الإسلام إقامته من الناحيتين الدينية والدنيوية، قال الله عز وجل {وابتغ فيماآتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين} [القصص:77/28] .
وجاء في الأثر: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا» (1) .
(1) فيض القدير: 12/2.
9 -إعداد الدعاة لنشر الدعوة في الداخل والخارج:
70 -إن الغاية السامية التي تعمل من أجلها الدولة الفاضلة: هي توحيد الله عز وجل وجمع الناس على الإيمان به، وتطهير الأرض من كل رجس وشرك، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله . ويجب على الدولة تحقيق ذلك بكل الوسائل وإقامة النظم ا لسياسية والتشريعية والعملية التي تكفل استقرار الناس في ظلال هذه الغاية (1) . والوصول إلى تلك الغاية بتنظيم الدولة طرق الدعوة إلى الإسلام، وإعداد الدعاة الأكفياء المزودين بالعلم والأخلاق قيامًا بمهمة الأنبياء، واقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه رسالة السماء، قال تعالى مبينًا تلك المهمة: {إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد } [الرعد:7/13] {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجاد لهم بالتي هي أحسن} [النحل:125/16] {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته، والله يعصمك من الناس} [المائدة:67/5] .
والسبب في إيجاب القيام بالدعوة هوأن الإسلام رسالة اجتماعية إصلاحية ودعوة عالمية كبرى بعث بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم لتكون نظام الإنسانية الكامل في حياتها الروحية والمادية، في كل زمان ومكان (2) . فالناس جميعًا مخاطبون بتعاليمها والاستجابة لنظامها (3) ، بدليل قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا} [سبأ:28/34] {وما أرسلناك إلارحمة للعالمين} [الأنبياء:107/21] {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا} [الأعراف:158/7] .
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو بها إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم، وكان بعد تفقيه أصحابه وتعليمهم يرسل الدعاة والمعلمين لشرع الله إلى مختلف القبائل التي تُسلم لإرشادها إلى قواعد الإسلام ولتفقيهها في أمور الدين. هذا.. بالإضافة إلى القضاة والفقهاء لتولي الولايات والبلدان الكبرى (4) .
(1) تذكرة الدعاة للبهي الخولي: ص 42، ط دار الكتاب العربي: 1951.
(2) تذكرة الدعاة للخولي: ص 14.
(3) أعلام الموقعين: 211/2، تحقيق محي الدين عبد الحميد، تفسير المنار: 467/6.
(4) تفسير ابن كثير: 254/2 وما بعدها، ط الحلبي، سيرة ابن هشام: المجلد: 590/2، ط الحلبي، التراتيب الإدارية للكتاني: 194/1 وما بعدها.
وفي آخر مراحل حياته عليه الصلاة والسلام أشهد ربه في حجة الوداع وغيرها على قيامه بواجب التبليغ، وأمر أن يبلِّغ الشاهد الغائب.