فهرس الكتاب

الصفحة 922 من 1664

وقال ابن حزم: ( الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حكم له عند الله عز وجل ، لأن أحدنا يلفظ بالكفر حاكيًا وقارئًا له في القرآن ، فلا يكون بذلك كافرًا حتى يقر أنه عقده . قال: فإن احتج بهذا أهل المقالة الأُول - يعني المرجئة والجهمية - وقالوا هذا يشهد بأن الإعلان بالكفر ليس كفرا ، قلنا له وبالله تعالى التوفيق: قد قلنا إن التسمية ليست لنا ، وإنما هي لله تعالى ، فلما امرنا تعالى بتلاوة القرآن ، وقد حكا لنا فيه قول أهل الكفر ، وأخبرنا تعالى انه لا يرضى لعباده الكفر ؛ خرج القارئ للقرآن بذلك عن الكفر إلى رضى الله عز وجل والإيمان ، بحكايته ما نص الله تعالى .

{ و لما أمر الله تعالى } (10) بأداء الشهادة بالحق فقال تعالى: (( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) )خرج الشاهد المخبر عن الكافر بكفره عن أن يكون بذلك كافرا ؛ إلى رضى الله عز وجل والإيمان … ) أهـ. من الفصل ( 3/249-250)

-ومن ذلك أيضًا أن يتكلم الإنسان بكلام أو ينطق لفظًا لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بذلك حتى يعرف فيتكلم به قاصدًا بمعناه بعد قيام الحجة ..

ففي (قواعد الأحكام في مصالح الأنام ) للعز بن عبد السلام ( فصل فيمن أطلق لفظًا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه ) قال رحمه الله: ( فإذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو إيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو صلح أو إبراء لم يؤاخذ بشيء من ذلك ، لأنه لم يلتزم مقتضاه ولم يقصد إليه ، وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه ، فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك ، لأنه لم يريده فإن الإرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون ، وإن قصد العربي بنطق شيء من هذه الكلم مع معرفته بمعانيها نفذ ذلك منه ، فإن كان لا يعرف معانيها ، مثل أن قال العربي لزوجته أنت طالق للسنة أو للبدعة وهي حامل(11) بمعنى اللفظين ، أو نطق بلفظ الخلع أو غيره أو الرجعة أو النكاح أو الإعتاق وهو لا يعرف معناها مع كونه عربيًا فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك ، إذ لا شعور له بمدلوله حتى يقصد إلى اللفظ الدال عليه ) أهـ . (2/102) .

وانظر أيضًا لابن القيم في إعلام الموقعين (3/75) : ( لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر) .

حيث قال وهو يتكلم في إطلاق ألفاظ الطلاق وأهمية وجود القصد فيها لنفاذ الطلاق: ( وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدا لها مريدا لموجباتها ،كما أنه لا بد أن يكون قاصدًا للتكلم باللفظ مريدًا له ، فلا بد من إرادتين:

-إرادة التكلم باللفظ اختيارًا (12)

-وإرادة موجبه ومقتضاه . (13)

بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ ، فإنه المقصود ، واللفظ وسيلة ، وهو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام ) ، إلى قوله: ( وقال أصحاب أحمد لو قال الأعجمي لامرأته أنت طالق وهو لا يفهم معنى هذا اللفظ ، لم تطلق ، لأنه ليس مختارًا للطلاق ، فلم يقع طلاق كالمكره ، قالوا: فلو نوى موجبه عند أهل العربية(14) لم يقع أيضًا لأنه لا يصح منه اختيار ما لا يعلمه ، وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لا يكفر. وفي مصنف وكيع أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني ، فسماها الطيبة ، فقالت: لا ، فقال لها ماذا تريدين أن أسميك ؟ قالت: سمني (خلية طالق) . فقال لها: أنت خلية طالق ، فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني ، فجاء زوجها فقص عليه القصة ، فأوجع عمر رأسها ، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها .

وهذا هو الفقه الذي يدخل على القلوب بغير استئذان ، وإن تلفظ بصريح الطلاق وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) أخطأ من شدة الفرح ، لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر ، لكونه لم يرده ) أهـ (3/76) وانظر أيضًا (4/229)

• تنبيه:

ومن هذا تعرف أننا لا نعني بانتفاء القصد كمانع ما يشترطه كثير من مرجئة العصر كشرط تعجيزي للتكفير ، يعتذرون به لكل طاغوت وزنديق ومرتد ، وهي دعوى ان الإنسان لا يكفر حتى وإن اتى فعلًا أو قولًا مكفرًا -عامدًا - حتى ينوي ويقصد بذلك الخروج من الدين والكفر به .

وإنما نعني بمانع انتفاء القصد ؛ ( الخطأ ) الذي يقابل العمد في شروط التكفير ، أو عدم إرادة الفعل أو القول المكفر نفسه ، وإرادة شيء آخر غيره … كحكايته والتحذير منه، أو يقوله وهو لا يعرف مدلوله ونحو ذلك مما تقدم ..

أما إرادة الخروج من الدين ، والكفر بذلك الفعل أو القول ، فقّل من يريده أو يصرح به أو يقصده ، حتى اليهود والنصارى ، لو سئلوا ؛ هل يريدون الكفر ويقصدونه بقولهم إن المسيح أو العزيز ابن الله ، أو نحو ذلك من كفرياتهم ؟ لأنكروا ذلك ولنفوا إرادتهم للكفر ..

وكذلك حال كثير من الكفار الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا .. فأكثر الطواغيت وأنصارهم اليوم ، إذا ما عددنا عليهم كفرياتهم ، أنكروا ذلك ، وأبوا أن يقروا بالكفر أو بإرادته أو بقصد الخروج من الدين ، بل يبادرون بتأكيد انهم مسلمون ، ويحتجون بأنهم يصلون ويشهدون أن لا إله إلا الله …

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت