فهرس الكتاب
وكذلك شأن كفار قريش ، لم يقروا قط بكفرهم ، أو بإرادتهم للكفر بعبادتهم للأوثان بل قالوا (( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ).. وعلى العكس ، فقد كانوا يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على دينه بالكفر ، فسموه (الصابئ ) وهكذا حال أكثر الكفار إلا ما شاء الله ..
-كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص177-178: (وبالجملة فمن قال وفعل ما هو كفر ، كفر بذلك ، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا ، إذا لا يقصد الكفر أحدًا إلا ما شاء الله ) أهـ .
وقال أيضًا فيه ص (370) : ( والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب ، فكذلك تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة ، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية ؛ وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه ، كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد الكفر ) أهـ .
وقد اخبر الله تعالى عن اكثر الكفار أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، بل يرون أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا .
فمن ذلك قوله تعالى: (( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) ) (103-105) الكهف .
-يقول ابن جرير الطبري في تفسيره: ( وهذا من أدل الدلائل على خطأ من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته ..)
إلى قوله: ( ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعة مثابين مأجورين عليه ، ولكن القول بخلاف ما قالوا ؛ فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة ) أهـ ص 44-45 . (ط . دار الفكر )
-وقال رحمه الله تعالى في تهذيب الآثار بعد أن سرد بعض الأحاديث التي تذكر الخوارج: ( فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالمًا ) أهـ نقلًا عن فتح الباري ( كتاب استتابة المرتدين ..) (باب من ترك قتال الخوارج..)
-وقال ابن حجر في الباب نفسه: ( وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ، ومن غير أن يختار دينًا على الإسلام ) أهـ
وسيأتي مزيد كلام على هذا في فصل أخطاء التكفير .
-والخلاصة هنا ؛ أن العبرة في اشتراط العمد والقصد وانتفاءه كمانع من موانع التكفير أن يقصد إتيان الفعل المكفر ، لا أن يقصد الكفر به .
(2) التأويل:
والمراد به هنا وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد ، أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النص ، أو فهمه فهما خاطئا ظنه حقا ، أو ظن غير الدليل دليلا ، كالاستدلال بحديث ضعيف ظنه صحيحا ، فيقدم المكلف على فعل الكفر وهو لا يراه كفرا ، فينتفي بذلك ؛ (شرط العمد ) ، ويكون الخطأ في التأويل مانعًا من التكفير ، فإذا أقيمت الحجة عليه وبين خطؤه فأصر على فعله كفر حينئذ .
ودليل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأويل من باب الخطأ الذي غفره الله تعالى بالأدلة المتقدمة - وذلك في حادثة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر مع جماعه مستدلًا بقوله تعالى: (( ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) )93 المائدة ، كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه … وكان قدامة قد استعمله عمر على البحرين ، فلما شهد عليه أبو هريرة وغيره وشهدت معهم امرأة قدامة أيضًا أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله ، ولما أراد أن يحده استدل بالآية المذكورة فقال عمر: أخطأت التأويل ( أخطأت استك الحفرة ) … قال ابن تيمية في الصارم: ( حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه ، فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ) أهـ ص530 … ثم إن عمر بين له غلطه وقال له: ( أما إنك لو اتقيت لاجتنبت ما حرم عليك ، ولم تشرب الخمر ..)
فرجع ، ولم يكفره بذلك ، بل اكتفى بإقامة حد الخمر عليه ، ولم يخالفه أحد من الصحابة بذلك .
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك ، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك ، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل ) أ هـ . مجموع الفتاوي (7/609-610)
ويقول أيضًا: ( فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر ، بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا ) أهـ مجموع الفتاوي (3/180)
فمذهب السلف عدم تكفير المتأولين من أهل القبلة ..
أهل القبلة يدخل فيهم اضافة إلى المسلم السني ؛ الفاسق الملي أهل الأهواء أهل التأويل ..