فهرس الكتاب
ومن ذلك قطعًا أصل التوحيد ، الذي يتضمن تجريد العبادة لله وحده بكافة أنواع العبادة ، فنقض هذا الأصل بدعوى التأويل الذي يسوغ الإشراك بالله تعالى واتخاذ الأنداد معه من أوضح الباطل ؛ الذي بعثت الرسل كافة بإبطاله وإنكاره ..
وقد نص العلماء على أن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل شرعي ، ليس من التأويل المستساغ بحال ، إذ بذلك تسلط المتأخرون على النصوص ، وقالوا نحن نتأول ، فسموا التحريف تأويلًا ، تزيينًا وزخرفة ليقبل منهم (15) … وقد ذم الله تعالى من يزخرف الباطل ويزينه ليلبس أمره على الناس فقال تعالى:
(( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) )الأنعام (112) .
• وعلى كل الأحوال فإن الخطأ في التأويل يسقط كمانع من موانع التكفير ، بإقامة الحجة على المتأول .
(3) مانع الجهل:
وإنما يكون مانعا وعذرا إن كان من الجهل الذي لا يتمكن المكلف من دفعه أو إزالته …
أما ما كان متمكنًا من إزالته ، فقصر وأعرض ولم يفعل فهو جهل من كسبه غير معذور به ، ويعتبر كالعالم به حُكمًا ، وإن لم يكن عالمًا في الحقيقة .. فإن هذا هو حال المعرض عن دين الله ، وهو من بلغه كتاب الله الذي علقت به النذارة ، فأعرض عن تعلمه أو النظر فيه ، لمعرفة أهم المهمات التي خلقه الله من أجلها … قال تعالى (( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ) )وقال تعالى: (( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) )
فمن بلغه القرآن ، ووصلته التذكرة فأعرض عن التوحيد ، وارتكس في حمأة الشرك والتنديد ، فهذا لا يعذر بجهله لأنه هو الذي كسبه بإعراضه .. والعلماء متفقون على عدم عذر المعرض إن تمكن من العلم ، وإنما الخلاف بينهم في عذر من لم يتمكن من ذلك ، وهو خلاف عديم الجدوى فيما نحن فيه ، لأن دين الله قد بلغ الآفاق ، وكتاب الله بل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المبينه له ، محفوظان ، ومظنة تعلم ذلك كله موجودة ميسرة لكل أحد ، فلم يبق والحال كذلك إلا جهل الإعراض ، خصوصًا فيما اشتهر من دين الإسلام وعرف وذاع وشاع ليس بين المسلمين فقط ، بل وحتى بين اليهود والنصارى وغيرهم ؛ كالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام وقطب رحاه .
ولذلك نص العلماء في قواعدهم الشرعية كما قال القرافي (684هـ) : ( ان كل جهل يمكن المكلف دفعه ، لا يكون حجة للجاهل ) أنظر الفروق (4/264) وأيضًا (2/149-151) .
ويقول ابن اللحام: ( جاهل الحكم إنما يعذر إذا لم يقصر أو يفرط في تعلم الحكم،أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزمًا ) أهـ القواعد والفوائد الأصولية ص (58) .
هذا واعلم أن مانع الجهل فيه تفصيل يطول ، وقد صنف فيه أهل عصرنا المصنفات ، ما بين إفراط وتفريط ، وقد نفاه أقوام بالكلية ، فأخطأوا ، وكفّروا من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
ووسعه آخرون فتعدوا حدود الله فيه ، حتى عذروا المرتدين المعاندين ، والكفرة المعرضين عن دين الله ، أولئك الذين جهلوا دين الله بكسبهم وإعراضهم عنه ، واستحبابهم الحياة الدنيا وزخرفها .. فتراهم أعلم الناس في كل ما دق وجل من أمورها وقشورها ، بينما لا يرفعون رأسًا بتعلم أهم وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه ، هذا مع توفر مظنة العلم ، والكتاب والسنة بين أيديهم -كما قلنا- فهم ممن قال الله تعالى عنهم (( يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ).
• وإنما الذي يعذر ويعتبر في حقه هذا المانع كمانع من موانع التكفير ، من كان عنده أصل التوحيد لكن خفيت عليه بعض المسائل التي قد تشكل أو تخفى أو تحتاج إلى تعريف وبيان ، ومن جنس ذلك باب أسماء الله وصفاته ، فقد دلت أدلة الشرع على عذر المخطئ فيها من أهل التوحيد ، وعدم جواز تكفيره إلا بعد إقامة الحجة بالتعريف والبيان ..
• كما في حديث الرجل الذي أسرف على نفسه فلم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد (16) ، فأوصى بنيه ، عند موته أن يحرقوه ويذروا رماده ، وقال لإنْ قدر الله علي ليعذبني عذبًا لا يعذبه أحد من العالمين .
وفيه جهله بسعة قدرة الله وأنه سبحانه قادر على بعثه حتى وإن احترق وتفرقت أجزاؤه ، ومع هذا فقد غفر الله له لتوحيده وخشيته لله ، فدل ذلك على أن الخطأ والجهل في مثل هذا الباب يعذر فيه الجاهل إن كان من أهل التوحيد ..
ولذلك نص شيخ الإسلام ابن تيمية في مناظرته على (العقيدة الواسطية ) التي جلها في باب الأسماء والصفات ، وذلك لما اعترض بعض المناظرين على قوله فيها (هذا اعتقاد الفرقة الناجية ) قال رحمه الله: ( وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا ، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة ) أهـ الفتاوى (3/116)
• ومن هذا الباب أيضًا اعتبار مانع الجهل في حديث العهد بالإسلام أو من نشأ في بادية بعيدة يتعذر وصول تفاصيل الشرع إليها ونحو ذلك .. فإنه يعذر فيما خفي عليه ما دام من أهل التوحيد مجتنبًا للشرك الأكبر والتنديد .