فهرس الكتاب
• وقد قدمنا لك في أول هذا الفصل تفريق شيخ الإسلام في الفتاوى (35/101) بين تكفير المطلق وتكفير المعين ، وأن تكفير المعين لا بد فيه من تبين الشروط والموانع … ثم ضرب على ذلك أمثلة فقال: ( مثل من قال: إن الخمر والربا حلال ، لقرب عهده بالإسلام ، أو لنشوئه في بادية بعيدة ، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد انه من القرآن ولا انه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومثل الذي قال: إذا أنا مت فاسحقوني ، وذروني في اليم ، لعلي أضل عن الله ، ونحو ذلك فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة ، كما قال الله تعالى(( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) )وقد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ) أهـ .
يقول ابن حزم: ( ولا خلاف في ان امرءًا لو أسلم - ولم يعلم شرائع الإسلام- فاعتقد أن الخمر حلال ، وأن ليس على الإنسان صلاة ، وهو لم يبلغه حكم الله تعالى لم يكن كافرًا بلا خلاف يعتد به ، حتى إذا قامت عليه الحجة فتمادى حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر ) أهـ المحلى (13/151)
وقال أيضًا في الفصل (4/105) : ( ومن لم يبلغه الباب من واجبات الدين فإنه معذور لا ملامة عليه ، وقد كان جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم ، بأرض الحبشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والقرآن ينزل والشرائع تشرع ، فلا يبلغ إلى جعفر وأصحابه أصلًا ، لانقطاع الطريق جملة من المدينة إلى أرض الحبشة ، وبقوا كذلك ست سنين فما ضرهم ذلك في دينهم شيئًا ، إذا عملوا بالحرام وتركوا المفروض ) أهـ
وقال ابن قدامة في المغنى (كتاب المرتد ) (مسألة: ومن ترك الصلاة ) : ( لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك ، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث العهد بالإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم ، لم يحكم بكفره ، وعرّف ذلك ، وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر ، وأما إذا كان الجاحد لها ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها ، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها …) أهـ .
وقد استدل العلماء لذلك أيضًا بما روي في سنن الترمذي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها ، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط ، فقلنا يا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الله أكبر إنها السنن ، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو اسرائيل لموسى ، اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة ، قال إنكم قوم تجهلون ، لتركبن سنن من قبلكم )
فاستدل من صحح هذا من العلماء على ( أن من أراد أن يفعل الشرك جهلًا فنهي فانتهى لا يكفر ) (17) وليس فيه عذر المشركين بالشرك الأكبر كما يستدل به مرجئة العصر للطواغيت وأنصارهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم غضب لطلب الصحابة وأنكره عليهم لكنه عذرهم ولم يكفرهم …
بينما لم يعذر المشركين في اقترافهم للشرك ..
فالصحابة طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم جهلًا منهم ، لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر ، ظنًا منهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم له أن يجعل لهم شجرة يعكفون عندها يعبدون الله .. ولم يقترفوا شركًا ، ولا ذريعة من ذرائعه ، فيجب الوقوف بالدليل عند حدوده ودلالاته التي يحتملها ، بأن يعذر به الجاهل ما لم يقترف الشرك الأكبر أو الكفر الواضح المستبين .