فهرس الكتاب
وذلك لأن الأدلة الشرعية قد دلت على أن نقض أصل التوحيد بالكفر البواح أو بالشرك الصراح الواضح المستبين المعلوم بالضرورة إنكاره في دين المسلمين ، والذي لا يخفى على صبيان المسلمين ، وحتى اليهود والنصارى يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بإبطاله وهدمه ، فهذا لا يعذر الجاهل في مثله ، خصوصًا مع إتمام الله نعمته على الأمة بحفظ كتابه الذي علق سبحانه النذارة فيه وببلوغه ،فمن بلغته النذارة ونقض أصل التوحيد بالكفر أوالشرك الصراح الواضح المستبين فهو كافر بل ومعذب في الآخرة ولا يصلح الاعتذار له بالجهل لأن جهله والحال كذلك جهل إعراض لا جهل من لم يتمكن من العلم ، ويدل على ذلك دلالة واضحة قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سأله عن أبيه: ( إن أبي وأباك في النار) (18) مع أن هؤلاء الآباء من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: (( لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ) )وقال: (( لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون ) )، فهؤلاء لم يعذروا بالشرك الأكبر مع انهم ما أتاهم نذير خاص بهم .. وما ذلك إلا لأن الشرك الأكبر الصراح، قد أقام الله على الإنذار والتحذير منه حججه البالغة الواضحة ، وأرسل كافة رسله منذرين ومحذرين منه ، وأنزل جميع كتبه من أجل هدمه والتحذير منه .. ثم جعل خاتمها كتاب لا يغسله الماء تكفل بحفظه وعلق النذارة به ، فمن باب أولى أن لا يعذر بمثل ذلك من جاؤوا بعد ذلك .
قال القاضي عياض في الشفا (2/231) في معرض كلامه على ساب النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الكفر الصريح الذي لا يعذر الجاهل به .
قال: ( أو يأتي بسفه من القول أو قبيح من الكلام ونوع من السب في جهته وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو ضجر أو سكر اضطره إليه ، أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه ؛ فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا يعذر أحد بالكفر بالجهالة ) أهـ .
أي الكفر الصريح الذي هو من قبيل سب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فقد تقدم قول القاضي نفسه في وجوب الإحتراز في إكفار المتأولين من المصلين الموحدين .
(4) مانع الإكراه:
ويقابله في الشروط أن يكون المكلف مختارًا لفعله.
ويدل عليه قوله تعالى: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) )وقد ذكر العلماء شروطًا لصحة تحقق مانع الإكراه منها (19) :
-أن يكون المكرِه (بكسر الراء ) قادرًا على إيقاع ما يهدد به ، والمكرَه عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار .
-أن يغلب على ظن المكرَه ، انه إذا امتنع أوقع به ما يهدد به.
-أن لا يظهر على المكرَه ما يدل على تماديه ، بأن يعمل أو يتكلم زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء .
-واشترطوا فيما يهدد به في الإكراه على كلمة الكفر ، أن يكون مما لا طاقة للمرء به ، ومثلوا بالإيلامات الشديدة وتقطيع الأعضاء ، والتحريق بالنار والقتل وأمثال ذلك .. وذلك لأن الذي نزلت بسببه آيات إعذار المكره وهو عمار ، لم يقل ما قال إلا بعد أن قتل والديه وكسرت ضلوعه ، وعذب في الله عذابًا شديدًا .
-واشترطوا أن يظهر إسلامه متى زال عنه الإكراه ، فإن أظهره فهو باق على إسلامه وإن أظهر الكفر ، حكم أنه كفر من حين نطق به (20) .
• ومع هذا فيجدر التنبيه إلى أن العلماء قد نصوا على أن من قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسًا عند الكفار مقيدًا عندهم في حالة خوف ، لم يحكم بردته (21) لأنه في مظنة الإكراه ما دام في سلطانهم مقيدًا أو محبوسًا ويقدرون على إنفاذ ما يريدون به . (22)
وإن شهد عليه انه كان آمنًا حال نطقه بها حكم بردته (23)
• ومن المهم هنا التنبيه إلى أن الإكراه الذي يتحدث عنه العلماء هو النطق بكلمة الكفر أو فعله ، ثم العودة إلى إظهار الإسلام كما تقدم .. أما الإكراه على الإقامة على الكفر والبقاء عليه .. فهذا لم يعتبروه ولم يجيزوه وفرقوا بينه وبين ما يعذرون به في أبواب الإكراه ..
• ( فروى الأثرم عن أبي عبد الله - وهو الإمام احمد - أنه سئل عن الرجل يؤسر ، فيعرض على الكفر ويُكره عليه،أله أن يرتد ؟ فكرهه كراهة شديدة ، وقال: ما يشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا ، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم(24) . وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى ، لا ضرر فيها ، وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات ، وإن كان امرأة تزوجوها واستولدوها أولادًا كفارًا وكذلك الرجل ، وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الدين الحنيفيي .) أهـ من المغنى (كتاب المرتد ) (فصل: ومن اكره على كلمة الكفر فالأفضل له أن يصبر ولا يقولها …)
• القسم الثاني من الموانع:-
موانع في الفعل (أي سبب التكفير ) :
1-ككون القول أو الفعل غير صريح في الدلالة على الكفر .