فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 1664

فإنها نزلت في شأن أناس كانوا من المصلين المقرين بالشهادتين قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مجاهدين في غزوة هي من أشهر وأعسر غزوات المسلمين .. ثم لما قالوا ما قالوا من أسباب الكفر وهو الاستهزاء بالنبي وأصحابه من حملة القرآن ؛ كفرهم الله بهذا السبب ، ولم يمنع من تكفيرهم إقراراهم بالشهادتين ولا الصلاة ولا الجهاد ولا غيره من شعب الإيمان التي كانت عندهم ..

وعلى هذا فلو نطق المرتد الذي كفر بسبب نصرته للشرك والمشركين للشهادتين حال قتاله، لم يعصم ذلك دمه ولم يمنع من قتله لأنه لم يكفر بالامتناع عن الإقرار بها كي يقاتل عليها، وحتى يكون حكمه حكم من قتله أسامة بن زيد لما قالها .. بل هو يقولها ويقر بها ليل نهار ،وربما كان من المصلين ، فليس هذا سبب كفره الذي قوتل عليه ، و إنما سبب كفره الذي قوتل عليه هو تولي ونصرة القوانين وأهلها على الموحدين ، فلا يصير مسلمًا حتى ينخلع ويبرأ من هذا السبب ويتوب منه ، فبذلك يرجع إلى الإسلام ، إذ هذا هو الباب الذي خرج منه ، فمنه يرجع ما دام مقرًا بسائر الأبواب ..

وهذا أمر واضح معلوم من سيرة الصحابة مع المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أصنافًا، ( قوم ارتدوا عن الدين بالكلية ، وقوم ارتدوا عن بعضه ، فقالوا: نصلي ولا نزكي ، وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذابين كمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وغيرهما) فجاهدهم الصديق رضي الله عنه وسار فيهم سيرته في المرتدين ، فمن كان منهم يصلي ويقر بالشهادتين وارتد بمنع الزكاة قاتله حتى أداها .. ومن كانت ردته بالإيمان بمسيلمة ،قاتله على البراءة من مسيلمة والكفر بنبوته .. وهكذا ..

ولما أشكل ذلك بادي الرأي على الفاروق وسأله: كيف تقاتل الناس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله … الحديث ) قال له أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة … ) فهذا يوضح أن ممن قاتلهم أبو بكر في حروب الردة من كان يصلي ويشهد الشهادتين.. وإنما ارتد من أبواب أخرى فقوتل عليها ..

5-وليس من موانع التكفير كون من ارتكب سببًا من أسباب الكفر الواضح المستبين مضللًا بتلبيس الأحبار والرهبان أو السادة والحكام .. أو غيرهم ..

فقد قدمنا لك أن مانع الجهل يعتبر في الأمور الخفية والمشكلة التي تحتاج إلى تعريف وبيان ، فلا بد قبل التكفير فيها من إقامة الحجة .. وسيأتي المزيد منه في أخطاء التكفير ..

لكن هذا لا يجب في أمور هي أظهر من الشمس في رابعة النهار ، كهدم أصل التوحيد أو مقارفة ما يناقضه من الكفر البواح والشرك الصراح الذي لا يخفى على صبيان المسلمين ، بل إن اليهود والنصارى يعرفون أنه مناقض لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ..

وسيأتي حديث عدي بن حاتم في عدم إعذار اليهود والنصارى بإضلال أحبارهم ورهبانهم لهم ، في صرف التشريع- الذي هو عبادة - إلى غير الله تعالى .. مع أنهم لم يكونوا يعرفون أن الطاعة في ذلك عبادة كما صرح بذلك عدي ، وكفر اليهود والنصارى أكثره كفر تقليد ولذلك قال تعالى فيهم (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله …. الآيات ) )

وكذلك كفر أكثر الكفار .. قال تعالى (( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول . قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) )المائدة

وفي الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه يقول النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر: ( وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال: لا دريت ولا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه …. الحديث ) .

هذا وقد بين الله في كتابه أن الضعفاء والمقلدين يتبرؤون يوم القيامة من ساداتهم الذين كانوا سببا في إضلالهم ، وأن ذلك ليس بعذر لهم ينجيهم ، ولا هو بمانع من موانع التكفير ..

فمن ذلك قوله تعالى: (( وبرزوا لله جميعا ، فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ، قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص ) )* إبراهيم

وقال تعالى: (( إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) )الأحزاب .

والآيات في هذا المعنى كثيرة …

هذا وقد ذكر العلامة ابن القيم في كتابه ( طريق الهجرتين ) في سياق ذكره لمراتب المكلفين ( الطبقة السابعة عشر ) وهم: ( طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين معهم تبعا لهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على أسوة بهم ……. )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت